فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ثم رجع إلى دمشق فعُين أستاذاً معاوناً في مكتب عنبر الذي صار يدعى مدرسة التجهيز، وهي الثانوية الرسمية حينئذ بالشام، ولكنه لم يكف عن شغبه ومواقفه التي تسبب له المتاعب، وكان واحد من هذه المواقف في احتفال أقيم بذكرى المولد، فما لبث أن جاء الأمر بنقله إلى دير الزور. وهكذا صار معلِّماً في الدير سنة 1940م.
وألقى هناك خطبة جمعة حماسية ثار الناس بعدها غاضبين على الاستعمار الفرنسي، ولم يستطع الجنود الفرنسيون اعتقاله، ولكن لم يسمح له بالعودة إلى التدريس في دير الزور ثانية [18] .
في القضاء:
انتهى الأمر بجدي في إجازة قسرية بعد حوادث دير الزور أواخر سنة 1940م. لقد أرادوا له أمراً، وأراد الله له أمراً، وكان الخير فيما اختاره له الله، فلقد هيأت له هذه الحادثة ترك التعليم والدخول في سلك القضاء، دخله ليمضي فيه ربع قرن [19] كاملاً، خمسة وعشرين عامًا من أخصب أعوام حياته. خرج من الباب الضيق للحياة ممَثَّلاً في التعليم بمدرسة ابتدائية في قرية، ودخلها من أوسع أبوابها قاضياً في النبك ثم في دوما من قرى دمشق، ثم قاضياً ممتازاً في دمشق، فمستشاراً لمحكمة النقض في الشام ثم مستشاراً لمحكمة النقض في القاهرة أيام الوَحدة مع مصر.
هذه المرة أيضاً ظهر نبوغ علي الطنطاوي وبان تميزه. لقد أراد - أبداً - أن يكون متقناً لعمله مجيداً له مخلصاً فيه، وما كان ليقبل أن يستغفله أو يستغله أحد، فلما نجح في امتحان القضاء وعُيِّن قاضياً في النبك - وهي بلدة في جبال القلمون - لم يسارع إلى استلام العمل، بل طلب من الوزارة أن تمهله شهراً، حتى يعرف المعاملات كلها: من عقد النكاح، وحصر الإرث، وتنظيم الوصية، إلى الحكم في قضايا الإرث والوقف والزواج" [20] ."