فهرس الكتاب

الصفحة 12687 من 19127

لقد كان أبو دُجانة محلَّ ثقة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وكان أهلاً لتحمُّل المسؤوليات، وورد أن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لمَّا خرج إلى حجَّة الوداع؛ استعمله على المدينة [17] - وهو أهل لذلك رضيَ الله عنه.

ومع هذه المنزلة التي يتبوَّؤها أبو دُجانة من كَسْب ثقة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وجهاده وتضحيَّاته؛ لم يكن مُفاخِرًا بعمله، أو ذاكرًا له؛ بل كان يُزْرِي بنفسه.

وقد حباه الله نعمةً أخرى عظيمة، وهي سلامة القلب؛ قال زيد بن أسْلَم: دُخِلَ على أبي دُجانة وهو مريضٌ، وكان وجهه يتهلَّل؛ فقيل له:"ما لوجهك يتهلَّل؟ فقال: ما من عملِ شيء أوثقُ عندي من اثنتين: كنتُ لا أتكلَّم فيما لا يعنيني، والأخرى: فكان قلبي للمسلمين سليمًا" [18] .

أيها الإخوة:

هذه النماذج من البشر هي التي ينبغي أن تُبْكَى كما يجب أن تُحْتَذى .. هم السُّرُج التي تضيء الطريق الصحيح، وتدلُّ على الصراط المستقيم في ظلام التخبُّطات الفكرية، والانحراف الأخلاقي، والعيش من أجل الدنيا، والتكالب عليها.

إن تجرُّد هؤلاء الرجال من الدنيا جعلهم يفتكون بأشدِّ الناس فتكًا، لا يقف أمامهم شيءٌ، وهل يمكن أن يقف في وجه مَنْ يريد المَنِيَّة شيءٌ مهما بلغت قوَّته؟!

إن عَيْش هؤلاء الرجال من أجل الآخِرة، وتسخير الدُّنيا سبيلاً إليها، وعدم الاهتمام بلذائذها - جعل منهم جيشًا جهاديًّا قويًّا، لا يهاب المنايا، ولا يكلُّ من كثرة القتال، ولا يهتمُّ لبعد البلدان. إنما همُّه أن ينشر دين الله في الأرض، ويقيم شَرْعَه؛ فأَسقطوا الدولتَيْن العظيمتين في وقتهم: فارس والروم، بعددٍ وعتادٍ قليل، لكن بإيمانٍ قويٍّ راسخ.

والمسلمون في هذا الوقت يمثِّلون أعدادًا كثيرة، لكن نزعت منهم البركة، وحلَّ بينهم الخلاف والتنافر؛ لأن الدُّنيا صارت هدفًا بديلاً عن الآخِرة عند كثيرٍ منهم، يتقاتلون من أجلها، فماذا كانت العاقبة؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت