فهرس الكتاب

الصفحة 13023 من 19127

وإذا جاءنا رجل عابد ليس له شُغل، لا قيام على عائلة، ولا طلب علم، وقال: ما الأفضل لي، أن أصوم يومًا وأفطر يومًا، أو لا أصوم؟ نقول: الأفضل أن تصوم يومًا وتفطر يومًا، فالمهم أن التفاضل في العبادات، وتمييز بعضها عن بعض، وتفضيل بعضها على بعض، أمر ينبغي التفطن له؛ لأن بعض الناس قد يلازم طاعة معينة، ويترك طاعات أهم منها وأنفع، وقد جاء وفد إلى النبي - صلّى الله عليه وسلّم - فجلس يتحدث إليهم، وترك راتبة الظهر ولم يصلها إلا بعد العصر [31] ، فعلى هذا ينبغي للإنسان أن يعادل بين نوافل العبادات، وإذا ترك شيئًا لما هو أهم منه، فلا يقال إنه تركه، بل فعل ما هو خير منه، فلا يعد ذلك قصورًا.

ودليل ذلك أن عبد الله بن عمرو بن العاص - رَضِي الله عنهما - قال:"لأصومن النهار ولا أفطر، ولأقومن الليل ولا أنام"، فبلغ ذلك النبي - صلّى الله عليه وسلّم - فسأله: (( أنت الذي قلت كذا؟ ) )قال:"نعم"، فقال له النبي - صلّى الله عليه وسلّم: (( صُمْ كذا، صم كذا ) )، قال:"إني أطيق أكثر من ذلك"، حتى قال له: (( صم يومًا وأفطر يومًا فذلك أفضل الصيام، وهو صيام داود ) )، وقال له في القيام: (( نَمْ نصف الليل، وقم ثلث الليل، ونم سدس الليل، فذلك أفضل القيام وهو قيام داود ) ) [32] ؛ لأن هذا الصيام يعطي النفس بعض الحرية، والبدن بعض القوة؛ لأنه يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكذلك القيام إذا نام نصف الليل، ثم قام ثلثه، ثم نام سدسه، فإن تعبه في قيام الثلث سوف يزول بنومه السدس، فيقوم في أول النهار نشيطًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت