فهرس الكتاب

الصفحة 13054 من 19127

وهذه المسألة فيها نظر؛ لأننا نقول الأحكام الشرعية تتلقى من فعل الرسول - صلّى الله عليه وسلّم - ولم يعتكف الرسول - صلّى الله عليه وسلّم - في غير رمضان إلا قضاءً، وكذلك ما علمنا أن أحدًا من أصحابه اعتكفوا في غير رمضان إلا قضاءً، ولم يرد عنه لفظ عام أو مطلق، في مشروعية الاعتكاف كل وقت فيما نعلم، ولو كان مشروعًا كل وقت لكان مشهورًا مستفيضًا لقوة الداعي لفعله وتوافر الحاجة إلى نقله وغاية ما ورد أن عمر بن الخطاب استفتى النبي - صلّى الله عليه وسلّم -"بأنه نذر أن يعتكف ليلة أو يومًا وليلة في المسجد الحرام فقال: أوف بنذرك" [7] ولكن لم يشرع ذلك لأمته شرعًا عامًا، بحيث يقال للناس: اعتكفوا في المساجد في رمضان، وفي غير رمضان فإن ذلك سنة.

فالذي يظهر لي أن الإنسان لو اعتكف في غير رمضان، فإنه لا ينكر عليه بدليل أن الرسول - صلّى الله عليه وسلّم - أذن لعمر بن الخطاب أن يوفي بنذره ولو كان هذا النذر مكروهًا أو حرامًا، لم يأذن له بوفاء نذره، لكننا لا نطلب من كل واحد أن يعتكف في أي وقت شاء، بل نقول خير الهدي هدي محمد - صلّى الله عليه وسلّم - ولو كان الرسول - صلّى الله عليه وسلّم - يعلم أن في الاعتكاف في غير رمضان، بل وفي غير العشر الأواخر منه سنة وأجرًا لبينه للأمة حتى تعمل به؛ لأنه قد قيل له: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] ، وانظر في حديث أبي سعيد اعتكف الرسول - صلّى الله عليه وسلّم: (( العشر الأول، ثم الأوسط، ثم قيل له: إن ليلة القدر في العشر الأواخر فاعتكف العشر الأواخر ) ) [8] ولم يعتكف السنة الثانية العشر الأول، ولا الأوسط، مع أنه كان زمنًا للاعتكاف من قبل، والشهر شهر اعتكاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت