قدم له من الإكرام ما لم يقدمه تلميذ لشيخ، ولا مسلم لإمام عظيم، ولا مضيف لضيف، كان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يخرج، قدَّم أبو أيوب حذاءه وألبسه في رجليه، كان يقف ليستقبله، ويقف ليودعه، حوَّل نفسه إلى طباخ في البيت، يقدم جهده، وعرقه، وكل ما يملك؛ ليفي بالضيافة، وحفظها له، عليه الصلاة والسلام، ولم يضيعها أبداً، كان يدعو له، وكان يتفقده، وكان يرى أنه الشيخ المبارك، الذي أصبح فيه كل شيءٍ أبيض، دينه، ولحيته، وقلبه، ومبادؤه.
وهذه قصة أذكرها وهي تدل على زهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه في هذه الدنيا، وتدل أيضاً على فضل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وكرمه.
يجوع - صلى الله عليه وسلم - فلا يجد في بيته لقمة، ولا تمرة، ولا شيئاً يؤكل، فيخرج إلى الطريق، وإذا بأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - فيقول لهما: (( ما أخرجكما هذه الساعة؟ ) )قالا: والله ما أخرجنا إلا ما نجده في بطوننا من حاقّ الجوع [1] ، قال - صلى الله عليه وسلم: (( وأنا والذي نفسي بيده .. ما أخرجني غيره، فقوما ) )، فانطلقوا فأتوا باب أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وكان أبو أيوب يدّخر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعاماً كان أو لبناً، فأبطأ عليه يومئذٍ، فلم يأت لحينه، فأطعمه لأهله، وانطلق إلى نخله يعمل فيه.
فلما انتهوا إلى الباب خرجت امرأته فقالت: مرحباً بنبي الله وبمن معه، قال لها نبي الله - صلى الله عليه وسلم: (( أين أبو أيوب؟ ) )فسمعه أبو أيوب - وهو يعمل في نخل له - فجاء يشتد فقال: مرحباً بنبي الله، وبمن معه، يا نبي الله ليس بالحين الذي كنت تجيء فيه، فقال - صلى الله عليه وسلم: (( صدقت ) ). قال: فانطلق، فقطع عذقاً [2] من النخل فيه كلٌّ من التمر، والرطب، والبُسر، فقال - صلى الله عليه وسلم: (( ما أردت إلا هذه، ألا جنيت لنا من تمره؟ ) )قال: يا رسول الله: أحببت أن تأكل من تمره ورطبه وبسره، ولأذبحن لك مع هذا.