قال: (( إن ذبحت فلا تذبحنَّ ذاتَ درّ ) )، فأخذ عناقاً أو جدياً فذبحه، وقال لامرأته اخبزي واعجني لنا وأنت أعلم بالخبز، فأخذ نصف الجدي فطبخه وشوى نصفه، فلما أدرك الطعام ووضع بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، أخذ من الجدي فجعله في رغيف وقال: يا أبا أيوب، أبلغ بهذا فاطمة؛ فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام. فذهب أبو أيوب إلى فاطمة.
فلما أكلوا وشبعوا قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( خبز، ولحم وتمر وبسرٌ، ورطب، ودمعت عيناه، والذي نفسي بيده إن هذا هو النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة ) ) [3] .
ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يموت كما يموت البشر، ولكن مبادئه لم تمت، ظلت مبادؤه وأخلاقه عند أبي أيوب وغيره من أعلام الصحابة، بقي أبو أيوب شابّاً وهو في الثمانين، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر أن أصحابه سوف يركبون البحر غزاة في سبيل الله دخل - صلى الله عليه وسلم - عند عجوز، هي أم حرام بنت ملْحَان [4] ، فنام عندها في الظهيرة، في القائلة، ثم استفاق - صلى الله عليه وسلم - وهو يضحك، قالت: ما لك يا رسول الله! أضحك الله سنك. قال: (( رأيت الآن أناساً من أمتي يركبون البحر غزاة في سبيل الله، كالملوك على الأَسِرة، قالت: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم ) ) [5] .
وتستمر الأيام، وينادي المسلمون كتائب الإسلام، أن تجاهد في سبيل الله؛ لتفتح القسطنطينية وتغزو بلاد الروم؛ لتوسع دائرة الإسلام.
ولما سمع أبو أيوب منادي الجهاد أخذ سيفه ورمحه، وركب بغلته وذهب إلى ساحة القتال، قل أبناؤه: أنت شيخ كبير في الثمانين، قال: لا.
حَمَلْتَ الثَّمَانِينَ الطِّوَالَ مُجَاهِداً كَأَنَّكَ في العِشْرِين تَقْرا وتَكْتُبُ