فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وكان الإتقان ديدنه في الحياة، حين يكتب، وحين يحقق، وحين يبدع، وحين ينقل إلينا إبداع المبدعين، بل حين يُزاول أيّ عمل من الأعمال، حتى صار كما قال في مقدمة (القوس العذراء) : (( وإذا كلُّ عمل يفصم عنه متقناً، وكأنّه لم يجهد في إتقانه، وإذا هو مشرف فيه على الغاية، وكأنه مسلوب كلّ تدبير ومشيئة، ولكنه لا يفصم عنه حين يفصم، إلا مطويًّا على حُشاشة من سرِّ نفسه وحياته، موسوماً بلوعة مُتضرِّمة على صبوة فنيت في عشرته ومعاناته ) ) [22] .
وما قوسُه العذراء هذه سوى عصارةِ فلسفته في إتقانه العمل:
ما هيَ قوسٌ في يَدَيْ نابِلٍ وإنَّما ألواحُ سِحرٍ نَزَلْ [23]
وذلك لأنه استلهمها من عمل رجل أتقن عمله حتى أوفى به على الغاية، إنه عامرٌ أخو الخُضر الذي جاء وصفه في قصيدة الشماخ رجلاً يتعيش بكدِّ يديه، صابرَ الفاقةَ عامين، ثم شمّر عن ساعد الجدِّ فتخيّر قوساً من أطيب الشجر وأحسنه، وتوفّر عليها، فأحسن قطعها وصنعها وتمظيعها [ أي وضعها في الشمس لتشرب ماء لحائها ] وتثقيفها وتقويمها وذوقها مختبراً شدّتها ولينها، حتى إذا استوت في يديه آيةً في الإبداع:
إذا أنبَضَ الرامُونَ عَنها تَرنَّمَتْ تَرَنُّمَ ثَكْلى أَوجَعَتها الجَنائِزُ
وافى بها أهل الموسم، فأغراه مقتنصٌ خبير رائز للنفائس بما بهره، وكاد يُنسيه ما عانى من صنعها وكابد في إتقانها، ولكنه تماسك وجعل يناجي نفسه متردّداً بين بؤس مخلٍّ وثراءٍ مذلٍّ، بين حنين تخالطه الفاقة والفقر وأنين دونه النُّعمى والغنى:
يَرى نِعمةً لَبِسَتْ نِقمَةً ونُوراً تَدَجَّى وسِحراً بَطَل [24]
وقطع عليه ترددَه أصواتٌ أحاطت به من كل ناحية تستحثه على البيع فباعها، وما إن شعر بفقدها حتى بكاها (وفي الصَّدر حزَّازٌ منَ الوَجدِ حامِزُ) .