فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وصف الشماخ هذا القوّاس وقوسه فأجاد الوصف، ولا غرو فهو أحد الشعراء الوصّافين، أُنشِدَ الوليد بنُ عبد الملك شيئاً من شعره في صفة حُمُرِ الوحش فقال: (( ما أوصفَه لها ! إنّي لأحسَب أحدَ أبويه كان حماراً ) ) [25] .
وقرأ أبو فهر ما جاء في هذا الوصف فافتُتن به، أعجب بالواصف كما أعجب بالموصوف، وفيه يقول: (( لم أعرفه، ولكن حدثني عنه رجل مثْلُهُ، عملُهُ البيان، ذاك فطرته في يديه، وهذا فطرتُه في اللسان ) ) [26] وكان أن عمد إلى هذا المقطع من قصيدة الشمّاخ - في وصف القوس وصاحبها - ذي الثلاثة والعشرين بيتاً فاستلهم منها بيانها الحافل، وتذوّقها غائصاً في أغوار دلالة ألفاظها وتراكيبها ونظمها، فأثار بهذا التذوق دفائن نظمها ولفظها، واستدرج خباياها المتحجِّبة من كامنها، وأماط اللثام عن أخفى أسرارها المكتّمة وأغمض سرائرها المغيّبة، فبعثها من مرقدها ضمن قصيدة تزيد على ثلاث مئة بيت، كلُّ ما فيها نبيثة مستخرجة من بيان أبيات الشمّاخ ومن رِكاز نظمها وكلماتها [27] .
وكان أبو فهر يتوخّى في كل ما يعمل وجه ربه، ويرجو أن يكون عمله خالصاً له لا تشوبه شائبة من أمر الدنيا، أحسبه كذلك - وعلى هذا مدار عمله كله - ولا أزكي على الله أحداً، يتبدّى ذلك جليًّا في كل ما كتب وحقق وأخرج للناس، ولعل خير ما يجلو هذا المعنى كلمته في مستهل تحقيقه لتفسير الطبري:
(( وبعد فقد بذلت جهدي، وتحرّيت الصواب ما استطعت، وأردت أن أجعل نشر هذا الكتاب الإمام في التفسير، زُلفى إلى الله خالصة. ولكن كيف يخلص في زماننا عمل من شائبة تشوبه ! فأسأل الله أن يتقبّل مني ما أخلصت فيه، وأن يغفر لي ما خالَطَهُ من أمر هذه الدنيا، وأن يتغمّدني برحمته يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم... ) ) [28] .
خاتمة: