فهرس الكتاب

الصفحة 13345 من 19127

أمَّا الجهاد والدفاع عن الأمة وأرضها وتحرير هذه الأرض؛ فقد كان قِمَّة الإيمان عنده والواجب الأسمى الذي أفنى فيه جسدَهُ الدنيوي، وليس من أحدٍ يُنْكِر عليه بُطُولَتَهُ الكبرى في هذا السبيل الذي كان هدف حياته، وسبب توحيده الجبهة الإسلامية وتحرير القُدْسِ، ويروي ابن شداد في بعض الصور الحية لهذا الجهاد من واقع ما رأى، يقول:"كان الفرنج نازلين... قرب القدس والسلطان فيها، فَوَصَلَتِ الأَخْبَارُ بِعَزْمِهم على حِصارها، واشتدَّ خوْفُ المُسْلِمين، فاستَحْضَرَ الأمراء وعرَّفهم ذلك وشاوَرَهُم، فَجَامَلُوهُ وباطِنُهم غَيْرُ ظاهِرِهم؛ لكنَّهم أصرّوا جميعًا على أنَّه لا مصلحة للمسلمين في إقامَتِه بِنَفْسِه فيها، ويُقِيمُونَ هم، ويكونُ السُّلطانُ مُطوّقًا لِلعدُوّ من الخارج كما كان الأمر في عكَّا؛ لكنَّه أصرَّ على البقاء؛ فلمَّا انفضَّ المجْلِسُ جاءَ مَنْ أَخْبَرَ السُّلطان أنَّهم لا يُقِيمُون في البلد إلا إذا أقام فيه أخوه العادل، أو أحدُ أولادِه، فعلم أنَّها إشارةٌ بأنَّهم لن يقيموا فيه، وضاق صدره واشتدَّت فكرته"، ويقول ابن شداد:".... ولقد جلست في خدمته في تلك الليلة، من أوَّل الليل إلى أن قارب الصباح، وكان الزمان شتاء، وليس معنا ثالث إلا الله تعالى، ونحن نقسم أقسامًا ونُرَتّب على كل قسم بِمُقْتضاه، وأخذني الإشفاق عليه، فإن اليبس كان يغلب على مِزاجه، فشفعت إليه أن يأخذ مضجعه لعله ينام ساعة، فقال: لعلَّك جاءك النوم.. ثم نهض، فما وصلتُ بيتي إلا وأذَّن الصبح، وكنت أصلّيه معه، فدخلت عليه وهو يُمِرّ الماء على أطرافه، وقال: ما أخذني النوم أصلاً، فقلت: قد علمتُ، فقال: كَيْفَ؟ قلت: لأني لم أنم وما بقي وقت للنوم، ثم شغلنا بالصلاة..."، واقترح ابنُ شداد على السلطان أن يصلي ركعتين ويدعو الله - وهو يوم الجمعة - ففعل،"... ورأيْتُه ساجِدًا ودموعُه تَتَقَاطَرُ على شيبته ثُمَّ على سِجَّادَتِه..."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت