فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
"وكان (صلاح الدين) لا بد له من أن يطوف حول العدو كل يوم مرَّة أو مرَّتين إذا كُنَّا قريبًا منهم، وكان إذا اشتدَّ الحرب يطوف بينَ الصَّفَّيْنِ ومعه صبي واحد، وعلى يده جنيب، ويخرق العساكر من المَيْمَنَة إلى الميسرة ويرتب الأطلاب... ويشارف العدو ويُجاوِرُه.. وما رأيتُه استكثر العدو أصلاً، ولا استعظم أمرهم قط... وقد انهزم المسلمون في يوم (المصاف الأكبر) بمرج عكا حتَّى القلب ورجاله، ووقع الكؤس والعلم، وهو - رضي الله عنه - ثابت القدم في نفر يسير قد انحاز إلى الجبل يجمع الناس ويردهم ويخجلهم حتى رجعوا... ولم يزل كذلك حتى نُصِرَ عسكر المسلمين في ذلك اليوم؛ وقتل (من العدو) زهاء سبعة آلاف ما بين راجل وفارس..." [28] .
"ولقد كان - رحِمه الله - شديد المواظبة عليه (الجهاد) عظيم الاهتمام به، ولو حلف حالف أنه ما أَنْفَقَ بعد خروجه إلى الجهاد دينارًا ولا درهمًا إلا في الجهاد أو في الإرفاد لَصَدَقَ. ولقد كان الجهاد وحبُّه والشغَفُ به قد استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاء عظيمًا (نتيجة الإغراق التصوفي في الإيديولوجية الدينية) بحيث ما كان له حديث إلا فيه، ولا نظر إلا في آلته، ولا كان له اهتمام إلا برجاله، ولا ميل إلا إلى مَنْ يذكره ويَحُثُّ عليه, ولقَدْ هَجَرَ فِي مَحَبَّة الجهادِ فِي سبيل اللَّه أَهْلَهُ وأَوْلادَهُ ووَطَنَهُ وسَكَنَهُ وسائرَ ملاذّه، وقنع من الدنيا بالسكون في ظل خيمة تهب بها الرياح يمنة ويسرة. ولقد وقعتْ عليْهِ الخَيْمَةُ في ليلة ريّحة على مرج عكا، فلو لم يكن في البرج وإلا قتلته ولا يزيده ذلك إلا رغبةً ومصابرة واهتمامًا" [29] .