فهرس الكتاب

الصفحة 13348 من 19127

وهذه الصفات التي يسجّلها ابن شداد لا تتفق إلا لمن وصل درجة التصوف في عشق إيديولوجيتة، وابن شداد يضيف قائلاً:"وكان الرجل إذا أراد أن يتقر ب إليه يحثه على الجهاد أو يذكر شيئًا من أخبار الجهاد. ولقد أُلِّفَ له كُتُبٌ عِدَّةٌ في الجهاد. وأَنَا مِمَّن جَمَعَ له فيه كِتابًا.. جَمَعْتُ فيهِ آدَابَهُ وكُلَّ آيَةٍ ورَدَتْ فيه. وكل حديث روي في فضله، وشرحْتُ غريبها؛ وكان - رحمه الله - كثيرًا ما يطالعه حتى أخذه منه ولده الملك الأفضل..." [30] .

وروى ابن شداد حديثًا جرى بينه وبين صلاح الدين، وهما عائدان من عسقلان على الساحل... وكان الزَّمان شِتاء عظيمًا والبحر هائجًا هيجانًا شديدًا، وموجه كالجبال. وكنتُ حديثَ عَهْدٍ برؤية البحر، وخُيِّلَ إليَّ أنه لو قال قائِلٌ: إنْ جُزْتَ في البحر ميلاً واحدًا ملَّكْتُك الدنيا لما كنت أفعل... وإذا بالسلطان يقول وهو يلتفت إلي:

-أما أحكِي لك شيئًا؟ قُلْتُ: بَلَى؛ قال: في نَفْسِي أنَّه متَّى ما يسَّر الله تعالى فتح بقية الساحل قسمت البلاد وأوصيت وودَّعْتُ وركِبْتُ هذا البحر إلى جزائرهم أَتَتَبَّعُهم فيها حتى لا أبقي على وجه الأرض مَنْ يَكْفُر بِالله أو أموت!

فعَظُمَ وَقْعُ هذا الكلام عندي حيث ناقض ما في خاطري؛ فقلت:

-ليس في الأرْضِ أَشجع نفسًا من المولى.

-واستأذنْتُ في حكايةِ ما كان في خاطري من هول البحر فقال:

-أنا أستَفْتِيكَ... ما أشرفُ الميتات؟

قلت: الموتُ في سبيل الله.

فقال: غايةُ ما في الباب أن أموتَ أشرف الميتات! [31]

ثقافته:

كان الجانِبُ الرّوحي في صلاح الدين أقوى وأشد بعدًا وعمقًا من جانبه الفكري، ولهذا غطَّى على التحدث عن ثقافته؛ كما غطت حطين على جوانب شخصيته؛ فليس يُذْكَرُ إلا لصيقًا بها وبمجدها.

في بعلبكّ - دون شك - حيث نشأ صلاح الدين كانتْ أُولى دروسه وتعليمه، وكانت هذه الدروسُ على نوعين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت