فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
-ونضيف أخيرًا أنَّ مُرافَقَتَهُ لِنُورِ الدِّينِ تَرَكَتْ فِي ذاتِه الأَثَرَ الحاسِمَ: فَقَدْ أَخَذَ عَنْهُ أُصولَ الإدارة والعدل في الناس، وأخذ عنه ما أهم من كُلّ ذلك، وهو الإيمان بفريضة الجهاد [33] ضِدَّ أعداء الإسلام والمحتلّين لأرضه. ومن الواضح أن ثقافته في العلوم الإسلامية توقفت عند حد معين في حين اتَّسعت ثقافته الحياتية بعد ذلك سياسة وإدارة وحربًا، وقد ذكروا تردُّده في دِمَشْقَ على مجالس ابْنِ عساكِرَ مؤرّخ دمشق والمحدّث الكبير؛ لكنه لم يأخذ عنه سوى الاحترام الشديد للحديث النبوي.
-ولم يَكُنْ في طُمُوحِه أَنْ يَكُون من طالِبِي العلم، ولكنَّه من طلاب المناصب وأهل الإدارة والحروب. وهكذا بقيت ثقافته محدودة إن لم نقل سطحيَّة، وفي ظنّه أنَّ العُلَمَاءَ كثيرٌ، وأنَّ طريق أبيه وعمّه في الحياة أفضل. ويظهر دليلُ ذلك في قول ابن شداد:"إن صلاح الدين قد أخذ عقيدته عن الدليل بواسطة البحث مع مشايخ أهل العلم وأكابر الفقهاء، وتفهَّم من ذلك ما يحتاج إلى تفَهُّمِه بحيث إذا جرى الكلام بين يديه يقول فيه قولاً حسنًا، وإن لم يكن بعبارة الفُقَهاء، فتحصل من ذلك سلامة عقيدته من كدر التشبيه؛ غير ما دق منهم النظر فيها إلى التعطيل والتمويه، ... مُوافقة لقانون النظر الصحيح، مرضية عند أكابر العلماء...."، وهذا يعني أنه كان يعرف بوضوحٍ جميع أركان الدين على المذْهَبِ السُّنِّيّ، على أنه كان يغذي مخزونه الديني ويزيده أبعادًا روحية بأمرين:
-الأوَّل:"أنَّهُ كان يُحِبّ سماع القرآن الكريم حتَّى إنه كان يستخيرُ إمامه ويشترط أن يكون عالمًا بعلوم القرآن العظيم، متقنًا لحفظه، وكان يَسْتَقْرِئُ في مَجْلِسه العامّ من جرت عادته بذلك: الآية والعشرين والزائد على ذلك... وإذا سَمِعَ القرآنَ يخشع قلبه، وتدمع عينه في معظم أوقاته"