كان - صلى الله عليه وسلم - يصوم، فيواصل الليل بالنهار ثلاثة أيام أو أربعة أيام، لا يأكل شيئاً فأراد الصحابة أن يواصلوا كما يواصل فقال: (( لا إنكم لستم كهيئتي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ) ) [7] لا يطعمه طعامً، ولا يسقيه شراباً، إنما حكماً، ومعارف، وفتوحات ربانية، وإلهامات إلهية.
لَهَا أَحَادِيثٌ مِنْ ذِكْرَاكَ تَشْغَلُهَا عَنِ الطَّعَامَ وَتُلْهِيهَا عَنِ الزَّادِ
لَهَا بِوَجْهِكَ نُورٌ تَسْتَضِيءُ بِهِ وَمِنْ حَدِيثِكَ فِي أَعْقَابِهَا حَادِ
يصوم - صلى الله عليه وسلم - في السفر وقد التهب الجو، قال أبو الدرداء - رضي الله عنه - كنا في شدة الحر حتى والله الذي لا إله إلا هو، إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة حرارة الشمس، وما فينا صائم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابن روحة.
يجلس مع الصحابة، فيقول لابن مسعود - رضي الله عنه: (( اقرأ عليَّ القرآن ) )، فيندفع يقرأ عليه حتى بلغ قوله - تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً} [النساء: 41] قال: (( حسبك ) )قال ابن مسعود: فنظرت فإذا عيناه تذرفان [8] ، وفي رواية: فإذا دموعه تسيل على لحيته - صلى الله عليه وسلم.
يبكي - صلى الله عليه وسلم - تواضعاً لله تبارك وتعالى - وشفقة على هذه الأمة.
قالت عائشة - رضي الله عنه - استفقت ليلة من الليالي فبحثت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان وهو يقول:
(( اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ) ) [9] .
أيها المسلمون:
متى يقدّم الإنسان للقبر ما لم يقدم هذه الليالي؟! متى يصلي إذا لم يصل هذه الأيام؟! متى يذكر الله إن لم يذكر الله في هذه الأوقات؟!
إذا دفن الإنسان فلن يصلي عنه أحد، ولن يصوم عنه أحد، ولن يذكر عنه أحد.