فهرس الكتاب

الصفحة 13683 من 19127

ولقد حضَرتُ في مجلسه ذاتَ يوم شابًّا من طلاَّب العلم! بذل وُكْدَه في استدراج الشيخ للوَقيعَة بأحد العُلَماء، ولكنَّ الشيخ خيَّبَ مسعاه وأبى أن يَفوهَ إلا بالخير، وما زال الطالبُ يناقش ويُجادل حتى ضاقَ أهل المجلس به ذَرعًا، والشيخ صابر عليه، يدفَعُ قولَه بالَّتي هي أحسَن.

أما كرَمُه وسَخاءُ نفسه فالحديثُ عنهما ذو شُجون، فقد كان الشيخُ ذا يدٍ حانيَة، رَقيقًا عَطوفًا، لا يرُدُّ سائلاً، ولا يقصِّر في عَون، ما قَدَر على ذلك.

تَراهُ إذا ما جئتَهُ مُتَهَلِّلاً كأنَّكَ تُعطيهِ الذي أنتَ سائِلُه

وأذكرُ أنني زُرتُه - أيام الدراسة الجامعيَّة - مع عدد من زُمَلائي الأضِرَّاء، فرَقَّ لهم جدًّا، وأخذ يشجِّعُهم على تحصيل العلم ومُواصَلة الدراسة، ويُعَزِّيهم بمُصابِهم الذي ابتلاهُم الله به، وروى لهم عددًا من الأحاديث الشريفَة في فضيلة الصَّبر على فقد البَصَر، وما أعدَّه الله للصابرين من أجر يومَ الحساب، ولم يكتَفِ الشيخُ بهذا، بل أمسك بأيديهم ودخلَ بهم إلى الحُجرَة المجاورة، ثم لم يلبَثوا أن عادوا، ولما خرَجنا من بيت الشيخ علمتُ أنه أعطى كلَّ واحدٍ منهم مبلغًا من المال؛ تَطييبًا لخاطرهم، ومساعدةً لهم.

وأما تواضُعُه وإنكارُه ذاتَه، فشيءٌ دون وَصْفه خَرْطُ القَتاد، فقد بلَغَ مرتبةً من التواضُع عالية - مع الحفاظ على العزَّة والهيبَة - متأسِّيًا في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتَراه منبَسطًا في الحديث مع ضُيوفه وزوَّاره، يصغي إليهم ويوليهم من اهتمامه وعنايتِه ما يشعُرُ معه كلُّ واحد منهم أنه هو ربُّ المجلس، وكان من عادَته المحبَّبة التي يتألَّف بها قُلوبَ العامَّة، أنه لا يَدخُل بيتَه زائرٌ إلا رحَّب به بحرارة، وسأله عن اسمه ونسبه ومهنَته ومن أيِّ بلد هو، مع ما في ذلك من مشقَّة وإرهاق لشيخ يحبو نحو الثَّمانين، ولكنه كان يتقرَّب إلى الله بإدخاله السعادَة إلى قلوب الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت