فهرس الكتاب

الصفحة 13684 من 19127

ومن المواقف الدالَّة على تواضُعه، وبُغضه للشُّهرة والظهور: لما توفي المربِّي الشيخ أحمد الشامي مُفتي الحنابلة بدُوْمَة سنة 1414هـ، تدفَّقَت جُموع المشيِّعين من دمشق ودُوْمَة بالآلاف، وتجمَّعوا عند بيت الشيخ أحمد ينتظرونَ خروجَ الجِنازة، وكنتُ فيمن حضَر فرأيت شيخَنا الأرناؤوط بين الجموع مُتنحيًا جانبًا يذكر الله تعالى، فأقبَلتُ عليه مُسلِّمًا وبقيتُ معه نتبادل بعضَ الأحاديث، وكان أحدُ المشايخ قد تولَّى تنظيمَ الجنازة، فكان يَصيح بالجُموع يدعوهُم إلى التزام السنَّة في الجنازَة إنفاذًا لوصيَّة المُتَوفَّى، ثم طلبَ من العُلَماء والمشايخ التقدُّمَ ليسيروا في مقدمة المشيِّعين، وكرَّر النداءَ مرات، وبدأ المشايخُ يتقدَّمون، وشيخُنا لا يبرَحُ مكانَه، فقلتُ له: ألا تتقدَّم يا شيخَنا إلى الأمام؟! فأجابني: شيخي هو يُنادي أهلَ العلم والمشايخ، وأنا طالبُ علم لا عالم! ثم قال: تعرفُ جامع دُوْمَة الكبير الذي سيُصلَّى فيه على الشيخ؟ فقلتُ له: نعم، فأخذ بيَدي، وقال: هلمَّ بنا إليه قبل أن تَحولَ بيننا وبينه هذه الجُموع، ومَضَينا إليه سالكين بُنيَّات الطريق، مُتَجنِّبين الجُموع الغَفيرَة المتدافعَة.

ومن خِصال شيخنا الحَميدَة عظيمُ وَفائه لأصحاب الأيادي البِيْض عليه، وحتى شَيخُه محمَّد صالح الفُرْفور - الذي طرَدَه من حَلْقَته لقراءته في كتُب شيخَي الإسلام ابن تيميَّة وابن القيِّم - فإنه كان يذكُرُه بالخير دائمًا، ويدعو الله له بالرَّحمة والمغفرَة، بل كثيرًا ما كان يقول: لقد تعلَّمتُ من الشيخ صالح مَخافَةَ الله عزَّ وجَلَّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت