* وقد ورد في"الصحيح"عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (( رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض به نخل، فذهب وَهْلي [6] إلى أنها اليمامة أو هَجَرُ [7] ، فإذا هي المدينة يثرب [8] ، ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سَيْفاً، فانقطع صدره فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أُحد، ثم هززتُه أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتحِ واجتماعِ المؤمنين. ورأيت فيها أيضاً بقراً [9] ، والله خيرٌ، فإذا هم النفر المؤمنين يومَ أحد .. ) )الحديث [10] .
ويستفاد من هذا أن بني إسرائيل لما أمروا بذبح البقرة اعترضوا وجادلوا وناقشوا، أما أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فقد قدموا أنفسهم رخيصة في سبيل الله، سمعوا قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [التوبة: 111] . فقالوا: ربح البيع .. ربح البيع، لا نُقيل ولا نستقيل.
يأتي عمير بن الحمام فيسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - وقد دنا المشركون من بدر: (( قوموا على جنة عرضها السماوات والأرض ) )فقال: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: (( نعم ) )قال: بخٍ بخٍ [11] . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( وما يحملك على قولك بخٍ بخٍ؟ ) )قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: (( فإنك من أهلها ) )فأخرج تمرات مِن قَرَنه، فجعل يأكل منهنَّ، ثم قال: لئن أنا حَييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة!! فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتل حتى قتل [12] .
هؤلاء هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يرون الجنة والنار رأي العين في حديثه عليه الصلاة والسلام، هذا هو الصنف الخالد الذي قدمه عليه الصلاة والسلام للبشرية، قال تعالى: {وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر: 33] .