والطائفة الأخرى من النصارى لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وهم فريقان:فريق خضعوا لسلطان الإسلام قبل القتال، وصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم، ودفعوا الجزية، فكانوا من أهل الذمة؛ ومن هذا الفريق: نصارى نجران، ونصارى دومة الجندل . وفريق آخر لم يخضعوا لسلطان الإسلام، وقاتلوا المسلمين، وهؤلاء خرج النبي صلى الله عليه وسلم لقتالهم، وأرسل السرايا إليهم؛ ومن هؤلاء: نصارى مؤتة، ونصارى تبوك، وأول مواجهة قتالية بين المسلمين والنصارى كانت في مؤتة، ثم عزم النبي صلى الله عليه وسلم على مواجهتهم في تبوك لكن الله تعالى لم يقدِّر قتالاً، ثم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم سارت الجيوش الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، ففتحت كثيرا من بلاد النصارى، وأخضعتها لسلطان الإسلام، ورفعت عن أهلها عسف الرهبان، وتسلط القياصرة، واعترف كثير من المؤرخين النصارى بأن المسلمين كانوا أرحم بهم من ساستهم ورهبانهم، وأن أكثر الشعوب النصرانية إنما دخلت في الإسلام طواعية لما رأوه من عدل المسلمين معهم، ورحمتهم بهم يقول المؤرخ النصراني جوستاف لبون: وما كانت انتصارات العرب لتعمي أبصارهم لأول أمرهم، وتحملهم على الإفراط المألوف عند الفاتحين في العادة، ولا اشتدوا في إرهاق المغلوبين على أمرهم، ولا فرضوا عليهم بالقوة دينهم الجديد الذي كانوا يريدون بثه في أقطار العالم، ولو عملوا ذلك لأهاجوا عليهم جميع الشعوب التي لم تخضع لهم، فاتقوا حق التقاة هذه التهلكة التي لم ينج منها الصليبيون الذين دخلوا الشام في القرون اللاحقة، بل رأيناهم حيث دخلوا في الشام ومصر وأسبانيا يعاملون الشعوب بمنتهى الرفق تاركين لهم أنظمتهم وأوضاعهم ومعتقداتهم، غير ضاربين عليهم في مقابل السلام الذي ضمنوه هم إلا جزية ضئيلة كانت على الأغلب أقل من الضرائب التي كان عليهم أداؤها من قبل، وما عرفت الشعوب فاتحاً بلغ هذا القدر من المسامحة، ولا ديناً حوى