وكان النبي صلى الله عليه وسلم في سجوده لا يتقي الأرض بوجهه قصدا، بل إذا اتفق له ذلك فعله؛ ولذلك سجد في الماء والطين.
إن أشرف شيء في الإنسان وجهه، ولذا كانت العرب إذا أهانت أحدا قبحت وجهه، وإذا أرادوا النكاية بشخص جدعوا أنفه؛ مبالغة في إهانته وتحقيره، وفي وعيد الله تعالى لمن كذب بآياته (سنسمه على الخرطوم) أي: على وجهه أو أنفه، وأشق شيء على الإنسان أن يوسم في وجهه؛ لأنه عنوان كرامته، وبه يستقبل الناس، وهو أول ما ينظر إليه، والمصلي حين يهوي بجسده على الأرض فإنه يمرغ فيها أكرم شيء عليه وهو وجهه؛ ذلا لله تعالى وتعظيما وإجلالا، ويضع جبهته وأنفه موضع الأقدام، فأي شرف يستحقه المسلم وهو يفعل ذلك في صلاته؟!
ومع كون السجود سفولا بالعبد إلى الأرض، وبعدا عن التعالي والسمو، والرب جل جلاله مستو على عرشه، متعال على خلقه، منزه عن السفول، مع ذلك كله فإن العبد حال سجوده أقرب إلى ربه من حاله في قيامه أو قعوده أو ركوعه، وما كان ذلك إلا إكراما من الله تعالى لمن عبده، فوضع أكرم شيء فيه وهو وجهه موضع الأقدام؛ ذلا له سبحانه وتعظيما وإجلالا. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء).