فهرس الكتاب

الصفحة 13938 من 19127

إن سجود العبد لله تعالى باب عريض من أبواب الذل والعبودية لله تعالى، ينتج عنه استجابة الدعاء؛ لأن الرب الكريم إذا رأى ذل عبده بين يديه، وافتقاره إليه، مع سؤاله وإلحاحه عليه لا يرده خائبا؛ ولذا كان الدعاء أرجى إجابة في حال السجود من أي حال أخرى، وأمر المصلي بالإكثار فيه من الدعاء، ونهي عن قراءة القرآن حال ركوعه وحال سجوده؛ لأنهما موضعا ذل وسفول، والقرآن أشرف الكلام، فلا يناسب أن يقرأ في تلك الحال، بل المناسب تنزيه الله تعالى وتعظيمه ودعاؤه؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني نهيت أن اقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) رواه مسلم.

وناسب في أذكار السجود أن يقرن الساجد بين تنزيه الله تعالى وبين إقراره بعلوه فيقول: سبحان ربي الأعلى، مستحضرا علو الله تعالى، وأنه سبحانه عليٌ بذاته، وعليٌ بأسمائه وصفاته، وأنه جل في علاه أعلى من كل شيء.

وينبغي للعبد أن يتذكر حال سجوده ذله بين يدي ربه، وحاجته وفقره إليه، وهو ما تطامن بجسده، ومرغ في الأرض وجهه إلا إقرارا بذله، وعلو ربه، فليكن كذلك في قلبه كما أداه بجسده.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: لما كان السجود غاية سفول العبد وخضوعه سبح اسم ربه الأعلى فهو سبحانه الأعلى، والعبد الأسفل، كما أنه الرب، والعبد العبد وهو الغنى، والعبد الفقير، وليس بين الرب والعبد إلا محض العبودية، فكلما كمَّلها قرب العبد إليه؛ لأنه سبحانه برٌ جواد محسن، يعطى العبد ما يناسبه، فكلما عظم فقره إليه كان أغنى وكلما عظم ذله له كان أعز؛ فإن النفس لما فيها من أهوائها المتنوعة، وتسويل الشيطان لها تبعد عن الله تعالى حتى تصير ملعونة بعيدة من الرحمة، واللعنة هي البعد ومن أعظم ذنوبها إرادة العلو في الأرض، والسجود فيه غاية سفولها.اه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت