وهذا يدل على فخامة الصلاة، وعظيم شأنها، وعلو مكانتها، وأن من مقاصد بناء البيت الحرام إقامَ الصلاة فيه وإليه، واستجاب الله سبحانه دعوة الخليل عليه السلام؛ فمن يؤمون البيت الحرام في هذا الزمن للصلاة فيه خلق كثير جدا، ولا سيما في المواسم الفاضلة كرمضان والحج، ومن يفدون إليه منذ دعوة إبراهيم عليه السلام إلى قيام الساعة لا يحصيهم إلا الله تعالى، وعيسى عليه السلام حين ينزل في آخر الزمان سيقصد البيت الحرام حاجا أو معتمرا، ومصليا فيه.
بل إن الله تعالى ذكر أن إقام الصلاة مقصد من مقاصد بناء البيت الحرام، وتطهيره من عبادة غير الله تعالى {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة:125] وفي الآية الأخرى {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج:26] والقائمون هم المصلون كما قال قتادة رحمه الله تعالى.
ومن عظيم أمر الصلاة أن الخليل إبراهيم عليه السلام دعا ربه لنفسه ولذريته من بعده بإقامتها؛ فمن أصابته دعوة الخليل وفق لها، فأقامها، وحافظ عليها، ومن لم تصبه لم يوفق لها، ولم يحافظ عليها. قال إبراهيم عليه السلام {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} [إبراهيم:40] .
وخلف إبراهيمَ عليه السلام في البيت الحرام ابنُه الذبيحُ إسماعيلُ عليه السلام، وكان من المصلين، الآمرين بالصلاة، أثنى الله تعالى عليه بذلك فقال سبحانه {وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم:54-55] .