وفي المناظرة الكبرى بين موسى والسحرة لم يُلْهَم السحرةُ بعد توبتهم طاعةً يرجعون بها إلى الله تعالى ويترضونه بها ظنا أن يغفر لهم عما كان منهم إلا السجود وهو أعظم هيئات الصلاة قال الله عز وجل {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ العَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} [الشعراء:46-48] فعفروا وجوههم في التراب خضوعا لله تعالى، فلم يجعل الله تعالى لهم مفزعا إلا إلى الصلاة مع الإيمان به، وهي مفزع كل منيب.
ومن أنبياء بني إسرائيل زكريا عليه السلام، سأل الله تعالى الولد، فبشر به وقد بلغ من الكبر عتيا فجاءته البشارة وهو يصلي {فَنَادَتْهُ المَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ الله وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران:39] .
قال ثابت البُنَاني رحمه الله تعالى: الصلاة خدمة الله تعالى في الأرض ولو علم الله تعالى شيئا أفضل من الصلاة ما قال: فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب.اهـ.
ومريم عليها السلام لما بُشرت بتطهير الله تعالى لها، واصطفائه لها على نساء العالمين أُمرت بالصلاة؛ لأن الاصطفاء لا يناله إلا من يستحقه، وكانت مريم ممن يستحقه؛ طاعة لله تعالى، وكثرة ركوع وسجود {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران:43]
لقد كانت مريم عليها السلام كثيرة التعبد لله تعالى كثيرة الصلاة، قد اتخذت لها محرابا عرفت به، لا تكاد تبارحه من كثرة صلاتها وتعبدها، ورزقها يساق إليها في محرابها؛ كرامة من الله تعالى لها {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ الله إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران:37] .