فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
سنَّة التمحيص؛ فالمؤمن من جهة يتعرض للمحنة، فيُصقل معدنه من أثرها، وينضج بها كما ينضج الطعام بالنار، والمنافق من جهة ثانية لا يستطيع الصمود أمام الفتنة؛ فتخور قواه، وتنحلُّ عُراه، وينكصُ على عقبيه؛ ولهذا جعل الله - تعالى - التمحيصَ مَعْبراً لتنقية الصفِّ المؤمن من أدعياء الإيمان، فيقع به التمييز بين الدرِّ الثمين والخرز الخسيس، كما في قوله - تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179] ، وقوله - تعالى: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154] .
وفي ضوء سنَّة التمحيص تتحقق سنة أخرى وهي:
سنَّة التمكين؛ إذ يمكِّن الله - عزَّ وجلَّ - للمؤمنين في الأرض بعد أن يثبتوا جدارتهم واستحقاقهم للنصر بلجوئهم إليه وحده في وقت المحنة، وتجرُّدهم له، وتطلُّعهم إليه في زمن الشدَّة، وتوكُّلهم عليه، مستيقنين من نزول نصره بعد الأخذ بكافَّة الأسباب المأمور بها شرعاً من صبر وتقوى وإعداد.
وقد أدرك أهل العلم والبصيرة هذه الحقيقة؛ فعندما سُئل الإمام الشافعي - رحمه الله:"أيما أفضل للرجل: أن يمكَّن أو يُبتلى؟ فقال: لا يمكَّن حتى يُبتلى [10] ."
ومحصِّلة هذه السنن الثلاث أن بعضها يمسك برقاب بعض، كحلقات السلسلة يشدُّ بعضها بعضاً، فلا تمكين بلا تمحيص، ولا تمحيص بلا ابتلاء؛ إذ متى تحققت أوائلها تحققت أواخرها! إنها سننٌ ساطعة، وحقائقٌ ثابتة.