فهرس الكتاب

الصفحة 14020 من 19127

ومن السنن الربانية: مداولة الأيام بين الناس، من الشدَّة إلى الرخاء، ومن الرخاء إلى الشدة، ومن النصر إلى الهزيمة، ومن الهزيمة إلى النصر، قال - تعالى: {إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140] .

وهذه السُّنة نافذةٌ بحسب ما تقتضيه سنَّة تغيير ما بالأنفس: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الأنفال: 53] .

وهنا يضع الله - عزَّ وجلَّ - أيدينا على سرٍّ عظيم، وهو ارتباط المداولة بين الأمم والدول والمجتمعات مع التغيير النفسي والذاتي في الأمة؛ فسقوط الحضارات ونهوضها، والأمم في ارتفاعها وهبوطها، مرتبطةٌ بهذا التغيير النفسي في مسارها عبر التاريخ والحاضر والمستقبل، وهي سنَّة ماضيةٌ ثابتةٌ لا تتغيَّر ولا تتبدَّل.

يقول (رشيد رضا) - رحمه الله - في"تفسير المنار":"إنَّ نعم الله - تعالى - على الأقوام والأمم منوطة - ابتداءً ودواماً - بأخلاق وصفات، وعقائد وعوائد، وأعمال تقتضيها، فما دامت هذه الشؤون لاصقة بأنفسهم، متمكِّنة منها، كانت تلك النعم ثابتةٌ بثباتها، ولم يكن الربُّ الكريم ينتزعها منهم انتزاعاً بغير ظلم ولا ذنب، فإذا هم غيّروا ما بأنفسهم من تلك العقائد والأخلاق، وما يترتَّب عليها من محاسن الأعمال؛ غيّر الله عندئذٍ ما بأنفسهم، وسلب نعمته منهم" [14] أهـ.

وهذا السلب يكون بالإدالة عليهم؛ بتسليط عدو عليهم يستأصل شأفتهم، ويكون ذلك سبباً في انهيارهم وزوال ملكهم، جزاء فسقهم وعصيانهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت