فهرس الكتاب

الصفحة 14033 من 19127

ثم كتب ملك الصين كتاباً إلى يزدجرد، جاء فيه:"إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجيش أوَّله بمَرْو وآخره بالصين الجهالة بما يحقُّ عليَّ، ولكنَّ هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك صفتهم لو يطاولون الجبال لهدُّوها، ولو خُليَّ سربهم أزالوني، ماداموا على ما وصف، فسالِمْهم، وارضَ منهم بالمساكنة، ولا تهيِّجهم ما لم يهيِّجوك [27] ."

هذه هي حكمة ملك الصين:"إن هؤلاء القوم لا يهلكون أبداً حتى يُحلّوا حرامهم، ويُحَرّموا حلالهم"..

إن الهزائم تبدأ من هنا .. من داخل الأمة، وليس من خارجها، وهذه الحكمة جديرةٌ بأن نضعها نصب أعيننا ونحن نقرأ الماضي، ونبصر الحاضر، حتى نقدر على القراءة الصحيحة لمستقبلنا.

درس من توينبي:

لم يتمكن علماء وفلاسفة الاجتماع والحضارة من الوصول إلى كثير من السنن التي تحكم البناء أو السقوط الحضاري. هذه حقيقة، ولكنَّ هذه الحقيقة لا تعني جهلهم التام بها؛ فقد أصاب المؤرخ البريطاني (توينبي) حين أشار إلى أن علَّة انهيار الأمم وهزيمتها هي الانتحار الداخلي، قبل أيِّ عامل خارجي، لا يعدو دوره الكَشْف عن هذا الانتحار [28] .

ونحن هنا لا نستدل بآراء (توينبي) ، فهذه الآراء ما زالت تستدعي الكثير من الحوار والنقاش، ولكن حسبنا أن هذه القاعدة التي ذكرها تدفعنا في رحلة للتفتيش عن مواطن الخلل الداخلي لاستدراكها، ومراجعة أسباب القصور الذاتي لعلاجها، ولتكن نتيجة هذه الرحلة خطوة في الطريق الصحيح.

الهزيمة والتحدي:

إن أعداءنا يدفعوننا دائماً إلى الزهد في أخطائنا الداخلية تحت دعوى أولويَّات مزعومة ننخدع لها نحن - أحياناً - بسذاجة غريبة، في حين أن هذه الأخطاء الداخلية هي في رأس قائمة الأولويات، ذلك أن التأثير القوي في الخارج إنما هو النتيجة البدهية لنظام دقيق وصحيح في الداخل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت