فهرس الكتاب

الصفحة 1425 من 19127

وقد نشأ علم أصول الفقه إبان ظهور الحركة الاجتهادية في عهد الخلفاء الراشدين وبقية الصحابة الذين كانوا يستفتون في المسائل المستجدة، فيبحث المجتهد منهم عن حكمها الشرعي في نصوص القرآن الكريم وظواهره، ثم في منطوق الحديث النبوي ومفهومه وإيحاءاته، ثم يلجأ إلى القياس أو الاجتهاد بالرأي المتفق مع روح التشريع ومقاصده وإيماءاته، وذلك عملًا بقوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [16] وبما دلت عليه السنة النبوية بآثار بلغت حد التواتر على مشروعية القياس، منها حديث معاذ الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم قاضيًا ومعلمًا، والمتضمن أن الرسول صلى الله عليه وسلم سأله: (( ماذا تصنع إن عرض لك قضاء؟ ) )قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: (( فإن لم تجد في كتاب الله؟ ) )قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (( فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ ) )قال: أجتهد رأيي لا آلو - أي لا أقصر - فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدر معاذ، وقال: (( الحمدلله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ) ) [17] فهذا يدل على إقرار الرسول العمل بالرأي الصحيح المستند على النصوص وروح التشريع، والقياس نوع من الرأي.

واستمر العمل بهذا المنهج في عصر التابعين، فقدموا القرآن أولًا، ثم السنة، ثم الإجماع، ثم الرأي، لكن بعضهم كان يميل إلى العمل بالقياس الضيق بإلحاق الأمور غير المنصوص على حكمها بالمنصوص عليها، وبعضهم مال إلى العمل بالمصلحة المتفقة مع مقاصد التشريع إن لم يكن في المسألة نص على حكمها. وكان التابعون يأخذون بآراء الصحابة، ويقدمونها على العمل برأيهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت