ثم تبلور علم الأصول في عهد أئمة المذاهب، وبرزت تسميات المصادر المختلف فيها في الظاهر، مع اتفاقهم على مضمونها الصحيح في الواقع، مثل القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وقول الصحابي وشرع من قبلنا وسد الذرائع وعمل أهل المدينة ونحو ذلك. وظهرت فيهم نزعتان أو مدرستان: مدرسة أهل الحديث في الحجاز، ومدرسة أهل الرأي في العراق، ومع اتفاق أهل المدرستين على العمل بكل من الحديث الصحيح والرأي، إلا أنه كان يغلب على اجتهاد المدرسة الأولى الأخذ بالحديث الذي ثبت عندهم، والوقوف عنده دون أخذ بالرأي المنسجم مع قواعد الشريعة العامة ومبادئها الكلية، ويغلب على اجتهاد المدرسة الثانية العمل بالرأي عند عدم وجود نص قرآني أو نبوي صحيح، علمًا بأن بيئة العراق التي لم يتوافر لها الثقات الكُثر من الرواة كانت سببًا واضحًا في هذا الاتجاه، كما أدى ذلك إلى خصوبة فقه أهل الرأي بسبب تقدم المدنية، إزدهار الحضارة، واستقرار الخلافة الإسلامية العباسية في بغداد وتوابعها.
وقد بدأ تدوين علم أصول الفقه بنحو شامل متكامل على يد الإمام الشافعي محمد بن إدريس المتوفي سنة 204هـ في كتابه (( الرسالة ) )بناء على طلب الإمام عبدالرحمن بن المهْدي الذي أعجب بالرسالة إعجابًا شديدًا، وكان بعدئذ يكثر من الدعاء له. وقد بحث فيها الشافعي مصادر التشريع، فأوضح أنواع البيان في القرآن، وأبان حجية السنة ومنزلتها في القرآن حتى لقب بأنه (( ناصر السنة وإمام الحديث ) )وتحدث عن الناسخ والمنسوخ، علل الأحاديث وأثبت حجية خبر الواحد، ثم أفاض الكلام عن الإجماع والقياس والاستحسان وما يجوز الإختلاف فيه وما لا يجوز، فضبط أصول الخلاف، ووضع قواعد الاستنباط وأنار الطريق لمن بعده من العلماء لتأصيل مباحث هذا العلم وقواعده ومناهجه، وتبيان طرق الاجتهاد والاستنباط، وكان بهذا العمل الرائد الأول في تحديد المفاهيم الأصولية وضبطها وإبرازها للعلماء.