ولا يعني بدء التدوين لعلم الأصول على يد الشافعي أن قواعد هذا العلم من وضعه، وإنما كانت تلك القواعد مرعية في اجتهادات الصحابة والتابعين، وظهرت أيضًا في وقائع اجتهاداتهم قواعد أصولية فرعية، تعد أساسًا في مبادئ الترجيح بين الأدلة المتعارضة، كما فعل الإمام علي رضي الله عنه بقياس حد السكران على المفتري القاذف، وكما أفتى ابن مسعود بأن عدة الحامل المتوفي عنها زوجها بوضع الحمل، لأن سورة الطلاق وفيها عدة الحوامل نزلت بعد سورة البقرة وفيها عدة الوفاة، والمتأخر من النصوص ينسخ المتقدم أو يخصصه، وكتقديم المتواتر على الآحاد، والخاص على العام، والتحريم على الإباحة، وتخصيص العام بالخاص، وحمل المطلق على المقيد، مثل آية {حُرِّمت عليكم الميتة والدم...} [18] وآية {إلا أن يكون ميتةً أو دمًا مسفوحًا..} [19] فاللفظ المطلق في الآية الأولى (( الدم ) )محمول على المقيد في الآية الثانية، ويكون الدم المحرم هو المسفوح.
كذلك كانت لأئمة المذاهب قبل الشافعي كأبي حنيفة ومالك رحمهما الله قواعد وأصول يعتمدونها في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، وما تزال هذه الأصول والقواعد منقولة عنهم متميزة فيهم، تميز كل مذهب عن غيره، وآثارها واضحة في الاجتهادات المنقولة عن أولئك الأئمة والإعلام، والتي أوضحها تلامذتهم من بعدهم في مؤلفات خاصة.
ثم تتابع العلماء بعد الإمام الشافعي في تدوين وتوضيح علم أصول الفقه، وفي طليعتهم الإمام أحمد رحمه الله الذي ألف كتاب (( طاعة الرسول ) )وكتاب (( الناسخ والمنسوخ ) )وكتاب (( العلل ) ). وكتب علماء الحنيفة وعلماء الكلام في هذا العلم، لتأصيل مناهج وقواعد استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.
3 -الغاية من دراسة علم الأصول وفائدته: