ثم انتقل وفد من هؤلاء اليهود إلى قبيلة غطفان وهي من أكبر قبائل نجد آنذاك فأغروها بالتحالف مع المشركين على أن لهم نصف ثمر خيبر، وخرج معهم جماعة من أشجع وبني سليم وبني مرة، وبني كنانة وأهل تهامة في جمع عظيم، سماه الله تعالى: الأحزاب، قاصدين المدينة النبوية، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بقدومهم شاور أصحابه، فأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق لمنع المشركين من الوصول إلى المدينة فحفره المسلمون.
واجتمع عليهم مع خوف عدوهم، وتكالب المشركين عليهم، ما يجدونه من المخمصة الشديدة، والجوع المؤذي، وهم يحفرون الخندق، وكان ذلك في زمن الشتاء، والشتاء لا يخفف برده إلا الطعام ولا طعام، والحفر شاق ومرهق ولا يقدر عليه جائع، والمسلمون جوعى، فتكالب عليهم قلة ذات يد، وشدة جوع، مع خوف عدو، قال أنس رضي الله عنه يصف ما يأتيهم من طعام وهم يعملون الخندق قال: (يؤتون بملء كفي من الشعير فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن) رواه البخاري، والإهالة هي الدهن الذي يؤتدم به سواء كان زيتا أو سمنا أو شحما، وقوله: سنخة أي تغير طعمها ولونها من قدمها؛ ولهذا وصفها بكونها بشعة.
وهذا الطعام على رداءته وجوده أحسن من عدمه، وإلا فإنهم قد يعدمونه فلا يجدون ما يأكلون كما جاء في حديث جابر رضي الله عنه قال: (لما حفر الخندق رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا فانكفأت إلى امرأتي فقلت هل عندك شيء فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا) رواه الشيخان.