وتارة يقولون: أنتم الذين أشرتم علينا بالمقام هنا....، وإلا فلو كنا سافرنا قبل هذا لما أصابنا هذا.
وتارة يقولون: أنتم مع قلتكم وضعفكم تريدون أن تكسروا العدو وقد غرَّكم دينكم.
وتارة يقولون: أنتم مجانين لا عقل لكم تريدون أن تهلكوا أنفسكم والناس معكم.
وتارة يقولون: أنواعا من الكلام المؤذي الشديد، وهم مع ذلك أشحة على الخير، أي: حراص على الغنيمة والمال الذي قد حصل لكم. اهـ.
وكل هذه المقولات التي حكاها ابن تيمية رحمه الله تعالى عن المنافقين في الأحزاب، وذكر أن المنافقين ومرضى القلوب في زمنه يرددونها ، هي في واقع الأمر مما يردده المنافقون والذين في قلوبهم مرض في عصرنا هذا، وستبقى ملازمة للمنافقين ومرضى القلوب في كل زمان ومكان.
ثم إن الله تعالى وصف المنافقين ومرضى القلوب بأوصاف ثلاثة تدل على نفاقهم ومرض قلوبهم:
أحدها: أنهم لفرط خوفهم يحسبون الأحزاب لم ينصرفوا عن البلد، وهذه حال الجبان الذي في قلبه مرض؛ فإن قلبه يبادر إلى تصديق الخبر المخوف، وتكذيب خبر الأمن.
والوصف الثاني: أنهم إذا جاءوا تمنوا أن لا يكونوا بينكم بل يكونوا في البادية يسألون عن أنبائكم: ما خبر المدينة؟ وماذا جرى للناس؟
والوصف الثالث: أن الأحزاب إذا أتوا وهم فيكم لم يقاتلوا إلا قليلا؛ لجبنهم وضعف قلوبهم، وتقديمهم الدنيا على الآخرة، فلا خير فيهم لجماعة المؤمنين، بل هم شر وبلاء وفتنة للناس.
{يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب:20] .
جعلنا الله تعالى من أهل الإيمان واليقين، وكفانا شر النفاق والمنافقين، وربط على قلوبنا بالتوكل والتسليم، إنه سميع مجيب. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية