الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} [الشعراء:151-152] .
أيها المسلمون: يلاحظ أن الآيات الكريمة التي عرضت لغزوة الأحزاب لم يأت فيها تفصيل لهذه الغزوة العظيمة، وما جرى فيها من أحداث، بقدر ما ذكر فيها من أوصاف المنافقين ومرضى القلوب وأفعالهم، ثم وصف المؤمنين وأفعالهم.
ومجموع الآيات التي وردت في غزوتي الأحزاب وقريظة تسع عشرة آية، منها تسع آيات في وصف المنافقين ومرضى القلوب، وحكاية أقوالهم، وأربع آيات في وصف المؤمنين وحكاية أقولهم، فلم يبق إلا ست آيات فيها وصف المعركتين، وما جرى على أحزاب المشركين وبني قريظة؛ مما يدل على أن معرفة أحوال المنافقين ومرضى القلوب للحذر منهم، ومعرفة أحوال المؤمنين للتأسي بهم أهم وأولى من معرفة تفاصيل المعركتين وأحداثهما.
وما كان ذلك -والعلم عند الله تعالى- إلا لأن المنافقين ومرضى القلوب موجودون في كل عصر ومصر، يُخفون كفرهم إن رأوا في المؤمنين قوة، ويظهرونه إن رأوا فيهم ضعفا، والقرآن العظيم كتاب بيان وهداية للمؤمنين، ومن هدايته ذكر أوصاف المنافقين ومرضى القلوب، وكشف حقيقتهم التي يخفونها عن المؤمنين؛ لأخذ الحذر والحيطة منهم.