فهرس الكتاب

الصفحة 14299 من 19127

وأما المسلمون فإن النبي صلى الله عليه وسلم استشارهم بعد أن نزل جبريل عليه السلام يخبره بأن الله تعالى قد وعده إحدى الطائفتين وقال لهم: ما تقولون ؟ إن القوم خرجوا من مكة على كل صعب وذلول، فالعير أحب إليكم أم النفير ؟ قالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدو، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ردد عليهم فقال: إن العير قد مضت إلى ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل، فقالوا: يا رسول الله، عليك بالعير ودع العدو، فقام عند غضب النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر فقالا فأحسنا، ثم قام سعد بن عبادة فقال: انظر أمرك فوالله لو سرت إلى عدن ما تخلف عنك رجل من الأنصار) ثم تتابع الصحابة رضي الله عنهم على ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم من مواجهة المشركين0

وقد عرض القرآن لهذا الفصل العظيم من تدبير الله تعالى للمواجهة بين أهل الحق وأهل الباطل، وتهيئة أسباب ذلك، والمجادلة التي جرت بين أهل الإيمان وهم في بادئ الأمر لا يريدون إلا العير، ولا يريدون منازلة جيش لم يتهيئوا لمنازلته، (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون، يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون) .

لقد أراد الله تعالى - وله الفضل والمنة على عباده المؤمنين - أن تكون ملحمة لا غنيمة، وأن تكون موقعة بين الحق والباطل؛ ليحق الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه، وأراد سبحانه أن يقطع دابر الكافرين؛ فيُقتل منهم من يقتل، ويُؤسر منهم من يؤسر، وتذل كبرياؤهم، وتخضد شوكتهم، وتعلو راية الإسلام، ويمكّن للعصبة المسلمة في الأرض، ولن يكون هذا التمكين إلا بجهد وعمل، ومنازلة وجهاد لأهل الباطل والوثنية0

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت