فهرس الكتاب

الصفحة 14319 من 19127

هذا؛ ومن تأمل مصارع المشركين في بدر عَلِمَ أن لله تعالى الحكمةَ البالغة فيهم؛ فما كان والله بينهم وبين السعادة الأبدية، والنعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول إلا أن يُؤمنوا، ولو آمنوا -وهم سادة مكة وأشراف قريش- لسادوا الناس كما ساد أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الأشراف من قريش رضي الله عنهم، ولكانت هذه عاجلَ بشراهم في الدنيا مع ما يُدَّخر لهم في الآخرة، ولكنْ من حُجِب قلبه عما ينفعه فلن تنفعه الذكرى، ولن تُجْدِي فيه المواعظ، ولو جاءته النذر، وأبصر الآيات {مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأعراف:186] .

ومن عجيب تقدير الله تعالى في عباده أن أبناءً لهؤلاء الصناديد من قريش وإخوانا وأقرانا وأصحابا حضروا بدرا على الشرك، ولكنهم لم يُقتلوا، وبقي منهم على الشرك من بقي سنوات عدة، ولكنهم مكتوبون في اللوح المحفوظ من أهل الهداية والسعادة ولو رَفَعُوا سيوفهم على المؤمنين في بدر وأحد والخندق وغيرها، ومن كُتب سعيدا فلن تستمر معه شقوته، ولن يبقى على كفره، ولن يموت إلا مؤمنا، فما أعظمَ مقاديرَ الله تعالى في خلقه، وما أحكم قضاءه سبحانه في عباده {قُلْ فَللهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام:149]

كان من أولئك النفر حكيمُ قريش وسيدها حكيم بن حزام رضي الله عنه، الذي رأى الموت في بدر وهو في صف المشركين، ولكن رحمة الله تعالى شملته فنجا وأسلم وحسن إسلامه، وكان سيدا في الإسلام كما كان سيدا في الجاهليه، وكان إذا حلف بيمين قال: لا والذي نجاني يوم بدر.

وكان منهم ابنُ فرعون هذه الأمة عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه، قُتِل أبوه على الشرك في بدر، ونجَّى الله تعالى عكرمة رضي الله عنه لخير أراده به، فأسلم بعد الفتح وحسن إسلامه، وكان رضي الله عنه إذا اجْتَهَدَ في الْيَمِينِ قال: وَالَّذِي نَجَّانِي يوم بَدْرٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت