الحمد لله حمدًا كثيرًا مُباركًا فيه؛ كما يحب ربنا ويرضى، أحمده وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أما بَعْد: فإن أخبار مُعجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - في تبوك كثيرة بالنسبة لغيرها من الغزوات، وذلك يتناسب مع حجم التحدي؛ فإن المنافقين كما هي عادتهم قد أجلبوا بخيلهم ورجلهم في بث الشكوك، واختلاق الأكاذيب؛ تكذيبًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإرجافًا للمُؤْمنين؛ وإرضاءً لمن حارب الله ورسوله.
فإذا ما انضم إلى ذلك أنواع من العسرة والمشقة لحقت بالصحابة - رضي الله عنهم - فإن تكالب هذا عليهم قد يؤدي إلى الشعور باليأس والإحباط، واستبطاء نصر الله تعالى؛ ولربما وجدت مقالات المنافقين آذانًا صاغية، وما كان الله - تعالى - ليترك رسوله - صلى الله عليه وسلم - بل أيده بهذه المعجزات؛ ليحبط كيد المنافقين، ويفضح مكرهم، ويثبت قلوب المؤمنين على الحق؛ ولهذا كان في هذه الغزاة من المعجزات ما يتناسب مع حجم مشقتها، وحجم كيد المنافقين.
وما أشبه الليلة بالبارحة؛ فمنافقو هذا العصر يقومون بذات الدور الذي قام به أسلافهم من التشكيك في الإسلام، وبث الشائعات، وقذف الشبهات، والدعوة إلى غير دين الله. وليس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهر المسلمين؛ ليرد كيد المنافقين بما أيده الله - تعالى - به من مُعْجزات؛ ولكن المؤمنين عندهم كتاب الله تعالى أعظم معجزة، وأكبر آية، وسنه رسوله - صلى الله عليه وسلم - هما النجاة لمن تمسك بهديهما، وسار على دربهما، ولن تضره فتنة ما دام على ذلك.