فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فمضى الثلاثة الذين عيَّنهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قادة للجيش، فأخذ الرايةَ ثابتُ بنُ أقْرَم وصاح:"يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد" [9] ، وثابت بن أقرم - رضي الله عنه - أبى القيادة لا هروبًا من المنية، أو خوفًا من العدو، ولكنه أحس بوجود من هو أكفأ منه، كيف وقد حمل الراية خشية أن تسقط، وصاح في المسلمين أن يعينوا قائدًا والحرب تدور رحاها، إنَّ ذلك لمن آيات الشجاعة والجُرْأَة في هذا الموقف العصيب، وكم هو جميل أن يصيح الناس به ليكون قائدهم فيأبى استصغارًا لنفسه، وهو يرى وجود من هو أولى بالقيادة منه!!
وهذا درس عظيم من هذا الصحابي الجليل - رضي الله عنه - في معرفة أقدار الرجال، وإنزالهم منازلهم التي يستحقّونها؛ حتى لا نكلّف أمَّتنا أن تحمل عجزنا وأثرتنا [10] .
لقد اصطلح الناس على خالد بن الوليد، وخالد لها، شجاعة وإقدامًا، وخبرة بأمور الحرب وسياستها، فأخذ الراية، وقاتل قتالاً مريرًا حتى تكسَّرت في يده تِسْعَةُ أسياف من شدة القتال، لا شلت يمينه، روى البخاري عن خالد - رضي الله عنه - أنه قال:"لقدِ انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية" [11] .
وكان خالد يُقاتل وهو يحتال للخلوص بالجيش من هذا المأزق المتضايق، وقتال الانسحاب شاقٌّ ومُرْهِق، لا سيَّما وخالدٌ لا يريد إشعار الروم بالحفاظ على الجيش وسحبه.
ودخل الليل على المتحاربين فتوقَّف القتال، فأعاد خالد تنظيم قواته القليلة، فجعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته، وميسرته ميمنته؛ فأنكر الأعداء ما كانوا يعرفون من رايات وهيئات المسلمين وقالوا:"قد جاءهم مدد، فرعبوا" [12] ، وكان هدف خالد مناوشتهم، وإلحاق الخسائر بهم، دونَ إدخال المسلمين في حرب عامة معهم تكون خطرًا عليهم.