فهرس الكتاب

الصفحة 14390 من 19127

كما أنَّكَ واجدٌ من بين هذه الطَّائفةِ مَنْ يتحدَّثُ عن حَدَاثَةٍ راشدةٍ، بعيدةٍ عن الغُلُوِّ والشَّطَط، وعن الهَجَانَة والزَّنْدَقَة، وعن التَّجْديف والشَّكِّ والإلحاد.

ولكنَّه -في هذا الحديث- لا يعبِّر عن حقيقة الحَدَاثَةِ السائدةِ المهيمِنةِ الباسِطةِ الجَناحَ على الأدبِ العربيِّ المعاصرِ؛ بل يعبِّرُ عن حَدَاثَةٍ راشدةٍ موجودةٍ في هذا الأدبِ، ولكنها حَدَاثَةٌ مغيَّبةٌ غيرُ ذائعةٍ ولا مشهورةٍ، ولا تملِكُ مِنْبَراً إعلاميّاً قويّاً، كما أنَّ مَنْ يتعاطَوْنَها ليسوا في دائرة الضَّوْء، ولا يملِكون من التَّأثير والنُّفوذ ما يملِكُهُ أصحابُ الحَدَاثَةِ الأخرى؛ فهي التي صوَّرْنَاها في المقالات السابقة، وليسوا همُ"الحَدَاثِيِّينَ"الرموزَ عندما تُذْكَرِ الحَدَاثَة؛ بل ليسوا هُمُ المقصودينَ بهذا المصطلَحِ الغائمِ أصلاً!.

تلك إذاً طائفةٌ أُولى من الحَدَاثِيِّين، تتكلَّمُ على حَدَاثَةٍ منشودةٍ مأمولةٍ، ولكنَّها لا تُمثِّلُ حقيقةَ الحَدَاثَة السَّائدة الغلاَّبة المشهورة!!.

وبين هؤلاء حَدَاثِيُّونَ راشدونَ؛ تحدَّثوا عن حَدَاثَةٍ أصيلةٍ سديدةٍ، يؤمَّل إنشاؤها أو ترسيخُ أقدامها.

ولكنَّ المتأمِّلَ في نزعة الحَدَاثَة الهَجِينة، التي بَسَطَتْ سيطرتَها على أدبنا العربيِّ المعاصرِ منذ منتصَف هذا القرنِ أو قبلَه بزمنٍ قصير؛ لَيستطيع أن يميِّزَ من دُعاتها والمروِّجينَ لها الفئاتِ الثلاثَ الأخرى، وهم:

2-فئةٌ تَبَنَّتِ الفكرَ الغربيَّ، وانْبَهَرتْ بحَدَاثَتِهِ، ووجدَتهُ في الآخَر، في ظِلَّ هَيْمَنَتِه وسيطرته وتفوُّقه (التِّكْنولوجيّ) ، وضَعْفِ الحَصانة الدِّينية، وخَوَرِ الذَّات، والانْبِهَار الأعمى بالجديد! وَجَدَتْ فيه المثالَ الأرفعَ؛ فقلَّدتْ حَدَاثَتَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت