فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والحَدَاثَةُ الغربيَّةُ -وهؤلاء ناسخونَ لها- هي سَلِيلَةُ الفكر الماديِّ العِلْمانيِّ، الذي لا يؤمِن بأديانٍ ولا قِيَمٍ ثابتةٍ؛ لأنَّه انعكاسٌ لحالة الضَّياعِ النَّفسيِّ والقلقِ الفكريِّ التي عاشها الإنسانُ الغربيُّ في أعقاب حربَيْن طاحنتَيْن، أَوْدَتا بالملايين، وزَعْزَعَتا الإيمانَ بأيَّةِ قيمةٍ.
وقد مضى هؤلاء الحَدَاثِيُّونَ المُسْتَغْرِبونَ -غير مُكْتَرِثينَ بعقيدة الأمَّة وثوابتِها الفكريَّة- يحاكونَ النَّموذجَ الغربيَّ، ويَترسَّمونَ مراسمَ حَدَاثَة الآخر، وكأنَّهم نسخةٌ منه. هذا على افتراض حُسْنِ الظنِّ بهؤلاء القومِ، وأنَّ ما صَدَرَ عنهم من اجتهاداتٍ ظالمةٍ في حقِّ تراثِهمْ وفكرِ أمتِّهمْ؛ ما هو إلا اجتهاداتُ مُنْبَهِرٍ بفِكْرٍ هَجِينٍ، وهو مهزوزُ الثِّقةِ بهُويَّتِهِ الحضاريَّةِ.
وهذه الفئةُ من الحَدَاثِيينَ -ممثَّلةً في كُبَرائهم، ممَّن لهم منابرُ إعلاميةٌ جهيرةٌ- يَدْرُونَ ما يصنعونَ، وعلى وعْيٍ تامٍّ بما هُمْ ساعونَ إليه. ولهؤلاء مواهبُ وقُدُراتٌ ثقافيةٌ لا شكَّ فيها، ولكنَّهم -في رأينا- (عُمْلِقوا) كثيراً، وأُسْبِغَ عليهِم من الألقاب والمسمَّيات الرَّنَّانة ما لم يَحْظَ بعُشْرِه أصحابُ الصوت الآخر، الذين لهم إمكاناتٌ وقدراتٌ لا تقلُّ عن هؤلاء.
3-وفئةٌ أخرى من الحَدَاثِيِّينَ تربَّوْا على أيدي السَّابقين، وبَهَرَهُمُ الضَّجيجُ الإعلاميُّ، وبريقُ الشُّهرة -اللَّذانِ أُسْبِغا عليهم وعلى اتِّجَاهِهِمُ الحداثيِّ- وما رُميَ به الاتجاهُ التُّراثيُّ من تُهَمٍ تُرْعِبُ وتَقْمَعُ: (الرَّجْعِيَّةِ، والسَّلَفِيَّةِ، والتَّزَمُّتِ، والنَّمَطِيَّةِ، والنِّظامِ البائد) .. فراحوا يُقلِّدونَ هؤلاءِ تقليداً أعمى!.
ولا يخلو هذا الفريقُ -أيضاً- من مواهبَ، ولكنَّها -كالعادة- ضُخَّمتْ كثيراً، ونَفخَ فيها بُوقُ الدِّعاية والتَّهريج.