فهرس الكتاب

الصفحة 1467 من 19127

ب - وهو - سبحانه - المنزه وحده عن الهوى، والميل لبعض خلقه دون بعض وعن المداهنة والمحاباة، فكل البشر عبادُه، هو خلقهم، ومن مادة واحدة أنشأهم، ولا تربطه بأي واحد منهم أو بأي طبقة أو جنس أو عِرق صِلة خاصة، أو قرابة معينة، أو رغبة أو رهبة، أو منفعة أو أي عَلاقة تدفع للخروج بالحكم عما يقتضيه الحق والعدل والصواب، فهو حين يشرع لهم تشريعًا فإنه يراعي فيه مصلحتهم جميعًا، ويراعي الحِكْمة العليا التي تتصف بها أفعاله كلها، ويعدل بينهم جميعًا دون تمييز أو تفريق بينهم.

والمصلحة التي يراعيها في سياسته مع عباده لا تنحصر في حدود الدنيا فقط، بل تشمل المصلحة الدنيوية والأخروية معًا، ولا شك أن المصلحة الأخروية أهم وأعظم، ولذلك فقد يرى الإنسانُ بنظره القاصر أن فيما شرعه الله تفويتًا لبعض منافعه ورغباته الدنيوية، ولكنه لو أمعن النظر لرأى أن ذلك خير له وأنفع بما لا يقاس ذلك أن الأمر كما قال - - سبحانه -: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} ؛ [الأعلى: 17] .

ومن أهم الأسباب التي تجعل التشريع الوضعي غير صالح، أن من يقوم بوضعه من البشر لا يمكن أن يخلو من الهوى، والميل لبعض الناس أو الطبقات أو الشرائح الاجتماعية، فتلك طبيعة البشر، مهما سمت منزلتهم، وعلت مكانتهم، فإن كان المشرع غنيًا فإنه يراعي مصلحة الأغنياء، وإن كان فقيرًا فإنه سيراعي في تشريعه مصلحة الفقراء، وإن كان عاملًا راعى مصلحة العمال، أو فلاحًا راعى مصلحة الفلاحين، أو عسكريًا راعى مصلحة العسكر، وإن كان رجلًا راعى مصلحة الرجال، وإن كانت امرأة راعت مصلحة النساء، وقُلْ مثل ذلك في الشعوب والأمم، فإن كان المشرِّع عربيًا فإنه سيميل بتشريعه نحو مصلحة العرب، وهكذا إذا كان تركيًا أو فارسيًا أو كرديًا إلى آخره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت