أما الله - سبحانه - فهو بريء من الهوى، والميل إلى بعضهم، وهو منزه عن الحيف على أحد منهم، لأنهم كلهم - كما سبق - عباده، ولا تربطه بأحد منهم أي رابطة.
وقد يظن بعض الناس أن للدين تأثيرًا في ذلك، وأن الله يحابي المسلمين على حساب غيرهم، وينحاز في تشريعه إليهم. وهذا خطأ، فإن الله - عز وجل - هو الحق، ودينه الحق، والحق هو العدل، وهو القائل في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} ؛ [المائدة: 8] ، فهو ينهى المؤمنين عن الظلم، والحيد عن الحق، ولو كان الذي عليه الحق كافرًا أو عدوًا، ويأمرهم بأن يحكموا بالعدل ويشهدوا بالحق دون أن يتأثروا في ذلك بأي عَلاقة ولو كانت عَلاقة الدين نفسه؛ يقول - سبحانه - في الحديث القدسي: (( يا عبادي إن حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا ) )؛ رواه مسلم عن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ربه - تبارك وتعالى.
فالعدل هو شرع الله في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فواضح في نصوص الكتاب والسنة، كما هو واضح في تاريخ الإسلام حينما كان الإسلام الحاكم في حياة المسلمين، وأخبار العدالة المثالية في عهود السلف الصالح تعطر صفحات التاريخ، وقد اعترف بها العدو والصديق، وضربت بعدالة العمرَين: عمر الفاروق، وعمر بن عبد العزيز وأمثالهما الأمثال، وكان ذلك مما دفع الشعوب المختلِفة إلى الدخول في دين الله أفواجًا.
وأما العدالة في الآخرة فتتمثل في مجازاة كل إنسان بعمله {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} ؛ [الزلزلة: 7، 8] .