فهرس الكتاب

الصفحة 14755 من 19127

كانت القسطنطينية العاصمة المُقَدَّسَة الكبرى لنصارى الشرق، وفيها أكثر تراثهم وتاريخهم، وقد حَوَتْ كنائسُها تماثيل أشهر رهبانهم وبَطَاركَتِهم. وموقعها بين آسيا وأوربة جعلها من أفضل المدن موقعًا؛ حتى قال نابليون:"لو كانتِ الدُّنيا مملكة واحدة لكانت القسطنطينية أصلح المدن لتكون عاصمةً لها" [3] ، وذكر أنها وحدها تساوي إمبراطورية كاملة، وأنها مفتاحُ العالم؛ منِ استولى عليها استطاع أن يسيطرَ على العالم بأجمعه.

ولما قامت الدولة العثمانيةُ واتسعت رقعتها، كانت القسطنطينية في وسطها، تفصل ممالكها الغربية عن ممالكها الشرقية؛ ولذا حاول خلفاءُ بني عثمان فتحها أكثر من مرة، وكان ملوكها ورهبانُها يَكيدُون للدولة العثمانية، ويدسون الدسائس، ويُدَبِّرُون المكائد، ويؤون كل خارج عليها، ويمدّونه بالسلاح والمال والرجال، وكم مرة عاهدوا ثم نقضوا؛ كما هي سيرة أهل الكتاب [4] . فلمَّا تولَّى عرش السلطنة العثمانيَّة محمَّد بن مراد بعد وفاة والدِه كان همّه الأكبر أن يفتح تلك المدينة المنيعة؛ فأشْغَلَ فِكْرَه بها، وكرَّس جهده لها، وعمل كل عمل يُحَقّق ذلك سياسيًّا وعسكريًّا.

فبَنَى قلعةً جبَّارة قبالتها، وصالح الدول المجاورة لها حتى لا تهبّ لنجدتها، وعقد الهدنة مع كل محاربيه ليتفرَّغ لها، وصنع المدافع العملاقة لدكِّ حصونها، واستحدث أساطيلَ بَحْرِيّة؛ ليَغْزُوَها مِنَ البَرّ والبَحْرِ، ثم درس أسوارها من الداخل والخارج، وأوضاعها وأوضاع أهلها [5] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت