فهرس الكتاب

الصفحة 14757 من 19127

ورغْم ما قام به قُسْطَنْطِين من قَتْلِ مائتينِ منَ المسلمينَ المقيمينَ في القُسْطنطينية، وتعليقهم على أسوارها؛ فإن ذلك لم يرهب المسلمين؛ بل زادهم حماسًا لفتحها، وبدأتْ مُؤْنة النصارى تنقص، وأَخَذَهُمُ الجهدُ والتعبُ من هذا الحصار المحكم، وعزم السلطان على الاقتحام العام، لمَّا أحسَّ أنَّ الوقت قد حان؛ فأرسل رسالة إلى قُسْطَنْطِين يطالبُه بالتسليم قبل الهجوم العامّ، وله وللنصارى الأمنُ على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم وديارهم، ومَنْ أراد منهم الرحيل منها رحل، ومن أراد البقاء بقي فيها آمنا [9] .

وما كان قُسْطَنْطِين إلا شجاعًا متدينًا يعلمُ ما لهذه المدينة من تاريخ وتقديس عند النصارى، فآثر أن يموت فيها على أن يهرب منها، أو أن يسلمها للمسلمينَ، فردَّ على السلطان بأنه قد أقسم أن يدافع عنها إلى آخر نَفَس في حياته، فإمَّا أن يحتفظ بعرشها، أو يدفن تحت أسوارها، فلما بلغ السلطانَ محمَّدًا مقالةُ قُسْطَنْطِين قال - رحمه الله تعالى:"حسنًا، عمَّا قريب سيكون لي في القُسْطنطِينية عرشٌ، أو يكون لي فيها قبرٌ" [10] .

وقبل الهجوم العام بيومينِ - وكان يوم الأحد - أمر السلطان جنده بالصيام لله - تعالى - تطهيرًا للنفوس؛ وتقويةً للعزم والإرادة، وفي مساء ذلك اليوم أمر جنده بإضرام النيران العظيمة؛ ليرهب النصارى، وظل المسلمون طيلة الليل يذكرون الله - تعالى - ويكَبِّرُون بأصوات عالية، حتى قال رئيس أساقفة القسطنطينية:"لو أنَّك سمِعْتَ مثلنا صيحاتهم المتوالية المتصاعدة إلى السماء، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، لأخذتك الروعةُ والإعجاب" [11] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت