فهرس الكتاب

الصفحة 14810 من 19127

العيد - عباد الله - مناسبةٌ للمراجعة الصَّادقة مع النفس؛ نتأمَّل فيها حكمةَ الله في قضائه، نتأمَّل قدرتَه وحكمَ آجاله، نتذكَّر إخوةً لنا أو أصدقاءَ أو أقرباءَ كانوا معنا في أعيادٍ مضت كانوا ملءَ السَّمع والبصر اخترمتهم المنون، فندعو لهم بالرحمة والمغفرة والرضوان.

لم يكن فرحُ المسلمين في أعيادهم فرحَ لهوٍ وَلعِب: تُقتحَم فيه المحرَّمات وتنتَهَك الأعراض وتُشرَّد فيه العقول أو تُسلَب، إنما هو فرحٌ تبقى معه المعاني الفاضلةُ التي اكتسبَها المسلمُ مِن العبادة، وليسَ كما يَظنُّ بعضُهم أنَّ غيرةَ اللهِ على حدودِه ومحارمِه في مواسمَ مُحدَّدةٍ ثُم تُستبَاح المحرَّمات.

إنَّ يومَ العيد ليسَ تمرّدًا من معنى العبوديَّة وانهماكًا في الشهوات، كلاَّ، إنَّ من يَفعل هذا لا يَتمثَّل معنى العيدِ بصفائه ونَقَائِه، بل هو في غمٍّ وحزن وخسارة؛ ذلك أنَّ يومَ العيد هو يومُ طاعة ونعمةٍ وشكر، قال تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7] .

عباد الله، في العيد نَسترجِع إلى ذاكرتنا معانيَ كثيرةً، وتُرسم أمام أعيُنِنا صورةُ ذلك النبي الكريم إبراهيم - عليه السلام - وهو يقود ابنه وفلِذة كبده إسماعيل لينحرَه قُربانًا لله تعالى، أيُّ امتثال عظيم؟! وأيُّ طاعة عميقة؟! وأيُّ يقينٍ ثابت ذلك الذي تَغلَّب على مشاعرِ الأبوَّة الفطريَّة وانطلق وهو ثابت الجنان غيرَ متردِّد ولا كارِه ليُنفِّذَ أمرَ الله: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى} [الصافات: 102] ، ثمّ أيُّ استسلامٍ للقدر، وأيُّ رضًا به، ذلك الذي جعل إسماعيلَ يقول لوالده: {افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات:102] .

إنَّها الطَّاعة - عباد الله - وإنَّه الإيمان في أبهى نماذجِه وأوفرِ عطائه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت