وللرياء في هذه الأعمال مدخل قد يخفى على العبد؛ لذا دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه أن يجنبه الرياء، فقد روى أنس بن مالك - رضي الله عنه:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حج على رحلٍ رثٍّ، وقطيفة ما تساوي أربعة دراهم"وقال: (( اللهم حجةً لا رياء فيها ولا سمعة ) )؛ أخرجه ابن ماجه [17] . وقال رجل لابن عمر: ما أكثر الحاج! فقال ابن عمر - رضي الله عنهما:"ما أقلهم!"ثم رأى رجلاً على بعير على رحلٍ رثٍّ، خطامه حبل فقال:"لعل هذا" [18] وقال شريح:"الحاج قليل، والركبان كثير، ما أكثر من يعمل الخير! ولكن ما أقلَّ الذين يريدون وجهه!" [19]
ونقل ابن رجب عن أحد المتقدمين أنه كان يحج ماشيًا على قدميه كل عام، فكان ليلة نائمًا في فراشه، فطلبت منه أمه شربة ماء، فصعب على نفسه القيام من فراشه ليسقي أمه الماء، فتذكر حجه ماشيًا كل عام وأنه لا يشق عليه، فحاسب نفسه، فرأى أنه لا يُهوِّنه عليه إلا رؤيةُ النَّاس له، ومدحهُم إياه، فعلم أنَّه كان مدخولاً [20] .
والترفّه في الحج ينافي مقاصده؛ ولذا قال عمر - رضي الله عنه - يومًا وهو بطريق مكة:"تشعثون وتغبرون وتتفِلُون - أي تتركون الطيب - وتضحون لا تريدون بذلك شيئًا من عرض الدنيا، ما نعلم سفرًا خيرًا من هذا" [21] ، يعني الحج، وقال ابن عمر - رضي الله عنهما - لرجل رآه قد استظل في إحرامه:"أضحِ لمن أحرمت له" [22] .
وإن بعض الناس يجعلون من الحج رحلة استمتاع ونزهة بما يتكلفون فيها من وسائل الراحة والرفاهية؛ بل ربما قطعوا أوقاتهم في معصية الله - تعالى - واللهو وأحاديث الباطل! فأيُّ حجٍّ أراد هولاء؟! وأيُّ تعظيم لشعائر الله - تعالى - عندهم؟! أين حرمة المكان والزمان من قلوب هولاء؟! {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ} [الحج: 32] .