وبعدُ .. فإن وراء ما أشرت إليه مجالاً رحبًا لدراسة ما يمكن اعتباره أيضًا من مسمى (الطب الإسلامي) بَدْءًا من (الطب النبوي) المتضمن هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطب الطبيعي، والعلاج الروحي والطب النفسي، والقواعد التي أرساها الإسلام لحفظ الصحة، ثم ما وراء ذلك من منارات منثورة في علوم الشريعة الغراء تتصل بفقه الطبيب (الأحكام الخاصة به) ، وأدائه (أخلاقيات الطبيب) ، ومعظم ذلك مذكور في غير مظانه، وقليل منه قد حظي بباب مفرد لدراسته في الكتب الشاملة أو بكتاب مستقل فيه.
وفيما يلي إشارات لأهم الجوانب التي كان لها حيزٌ في الدراسات الإسلامية بعيدًا عن الاسترسال في الصعيدين التاريخي، والتأويلي - المشار إليهما -؛ لتكون هذه الدراسة تقريرًا لأصالة الطب الإسلامي، ومَدخلاً لوضع مرتكزات للدراسات المفصلة فيه، وذلك يسهم في فتح المجال أمام من ينشط لتسليط أضواء البحث الكاشفة لما خفي منها. ولا يتسع المقام لِتَلَمُّس دور الطب في الدراسات الإسلامية - تأثرًا وتأثيرًا في جميع الزمر المستقرة لتلك الدراسات، بَدْءًا بالقرآن، ومرورًا بالسنة والسيرة، وانتهاءً إلى الفقه وعلومه المساعدة لاسيما الحِسْبَةُ والآداب الشرعية؛ لذا اقتصرت على لمحات في فقه الطبيب (الأحكام التي تتصل بمزاولته عملَه من حِلٍّ وحرمة) مع نُبَذ في الآداب التي ينبغي مراعاتها.
النظرة الشرعية للطب:
لابد من إلقاء هذه النظرة قبل الحديث عن فقه الطبيب وآدابه ثم أنتقلُ لبيان الخِصال التي أوجبت الشريعة الإسلامية على ممارس الطب المعرفةَ بها، لأنها من الأمور المتصلة بصميم عمله. وهي مما يختص بالقيام به غالبا، كما يشمل آثار تصرفاته في الأحوال العادية أو الطارئة؛ إذ من المقرر شرعا أنه يجب على المسلم - بالإضافة إلى معرفة الأحكام العامة في حق الجميع كالعبادة - اكتسابُ المعرفة بما يخصه في عمله لتكون تصرفاته موافقةً للشرع وليكون كسبه حلالاً.