ولعل أول ما يتعرض له الفقهاء في هذا المجال حكم (التداوي) ، ويَستَتْبِع ذلك تعرضُهم لحكم (التطبيب) .. ولا يخفى أن الحديث عن هذين الأمرين كان لهما قديمًا ما يبرره إزاء مواقف بعض المتصوفة أو الزهاد الذين توهموا أنَّ الإقدام على التداوي يخالف التوكل.. وقد اعتُبِرتْ هذه المواقف من باب التنطع بعدما ثبت تداوي النبي - صلى الله عليه وسلم - شخصيًّا، والأمرُ لغيره بالتداوي والمداواة.
ويستوقف النظر في المراجع التي تناولت هذه القضية حرص الفقهاء على اعتبار (مهنة التطبيب) إحدى فروض الكفاية [1] بمعنى أنه إذا لم يوجد من ينهض بها أثم المسلمون كلهم، وأن القيام بها من البعض يسقط الإثم عن البقية، ويكون الأجر خاصًا بمن يقوم بذلك.. ويظهر أثر هذا الاتجاه حين الموازنة بمحاربة الطب من خلال شن الحملة عليه من قِبَلِ محتكري الوصاية على الأديان والعقول قَبْلُ.
الفقه والخبرة الطبية:
تثور الحاجة إلى خبرة الطبيب في أكثر من موضوع في الفقه الإسلامي، وتلك المواطن إما أن تتصل بالمرض أو الأعذار المبيحة لبعض الرخص والتيسير في العبادة.. وإما أن تتصل بالفصل في المنازعات التي تنشأ من دعاوى مَحَلُّها جسم الإنسان، سواء أكان النزاع في شأن السلامة والبقاء على الفطرة وعدمها، أو من قبيل ادعاء العيوب والنشاز. ونظرا إلى أن الشريعة الإسلامية من منهجها العام في التشريع بناؤه على الأعم الأغلب فقد ندر - في غير مجال الطب - ربطُ الأمور بالخبرة الفنية وحدها، بل أقيمت أكثر الأمور على حصول الأمارات الظاهرة الميسورة كما هو الحال في أوقات الصلاة، ومطالع الأشهر وغيرها. أما في مجال الطب فلم يَعْدِلْ عنه إلى غيره إلا في الأمور الميسور إدراكُها بالتأمل أو بطول الأمد الكافي لظهور الأعراض واجتماع القرائن كما هو الحال في البلوغ وعلاماته الطبيعية.