فهرس الكتاب

الصفحة 15050 من 19127

والناس يتفاوتون في ذلك تفاوتًا عظيمًا؛ فمنهم من يُقَدِّم المصلحة الأُخرويَّة الآجِلة على الدُّنيويَّة العاجلة، مهما كانت خسائره المادية، ومنهم مَنْ يفعل العكس؛ فيُقَدِّم المصلحة الدُّنيويَّة الفانية على الأُخرويَّة الباقية.

ففي كتاب الله آياتٌ كثيرةٌ تتحدَّث عن حال الناس في هذه المرحلة، منها قول الله تعالى عن أهل الكتاب: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 20] ، ومنها قوله - جلَّ وعلا - في حقِّ آل فرعون: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 13-14] .

ولعل من أمثلة ذلك في السنَّة الشريفة: قصة أبي طالب عمِّ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - حيث إنه ناصَر دعوة ابن أخيه محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأقرَّ بصحَّة دين الإسلام؛ حيث قال مُنشِدًا:

وَاللهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينَا

فَاصْدَعْ بِأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ أَبْشِرْ وَقَرَّ بِذَاكَ مِنْكَ عُيُونَا

وَدَعَوْتَنِي وَعَرَفْتُ أَنَّكَ نَاصِحِي وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أَمِينَا

وَعَرَضْتَ دِينًا قَدْ عَرَفْتُ بِأَنَّهُ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ البَرِيَّةِ دِينَا

لَوْلا المَلامَةَ أَوْ حِذَارَ مَسَبَّةٍ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينًا

فبالرغم من ذلك لم يُسلم، حتى وهو على فراش الموت، ومات وهو يقول:"على ملَّة عبد المطَّلب"، والنبيُّ الدَّاعية الأعظم - صلَّى الله عليه وسلَّم - بين يديه ويقول له: (( يا عمِّ، قُلْ: لا إله إلاَّ الله، كلمة أشفع لكَ بها عند الله ) )؛ رواه البخاريُّ ومسلمٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت