فهرس الكتاب

الصفحة 15283 من 19127

فمدار الأمر في تلاوة القرآن على التدبُّر واستحضار المعاني، وتأمُّل الإشارات، وتبيُّن الدَّلالات، فمَنْ أَنِس في نفسه قدرةً وجلادةً، مع تحقيق هذه الغايات، وتعهُّد الواجبات الأخرى من الفرائض والنوافل، ومِنْ سَعْىٍ في أُمور المعاش وإعمار الحياة؛ فليقرأ ما شاء الله له أن يقرأ، على ألا يزيد على السُّنة المأثورة.

وللحافظ الذَّهَبِيِّ هنا كلامٌ جيِّدٌ، ينبغي ذِكْرُهُ وتأمُّله، قال - رضي الله عنه - تعقيبًا على حديث عبدالله بن عمرو بن العاص السَّابق:"وصحَّ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نَازَلَهُ إلى ثلاثِ ليالٍ، ونَهاه أن يقرأه في أقلَّ من ثلاثٍ، وهذا كان في الذي نَزَلَ من القرآن، ثم بعد هذا القول نزل ما بقي من القرآن، فأقلُّ مراتِبِ النهي أن تُكرَهَ تِلاوة القرآن كلِّه في أقلَّ من ثلاثٍ، فما فَقِهَ ولا تدبَّر مَنْ تلا في أقلَّ من ذلك، ولو تلا ورتَّل في أسبوع ولازم ذلك؛ لكان عملاً فاضلاً، فالدِّين يسرٌ، فوالله إن ترتيل سُبْع القرآن في تهجُّدِ قيام الليل، مع المحافظة على النوافل الرَّاتبة، والضُّحى، وتحية المسجد، مع الأذكار المأثورة الثابتة، والقول عند النوم واليقظة، ودُبُر المكتوبة والسَّحر، مع النَّظر في العلم النافع، والاشتغال به مخلصًا لله، مع الأمر بالمعروف، وإرشاد الجاهل وتفهيمه، وزجر الفاسق ونحو ذلك، مع أداء الفرائض في جماعةٍ بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان، مع أداء الواجب، واجتناب الكبائر، وكثرة الدعاء والاستغفار والصدقة، وصلة الرحم والتواضع، والإخلاص في جميع ذلك - لشغلٌ عظيمٌ جسيمٌ، ولمقامُ أصحاب اليمين وأولياء الله المتَّقين؛ فإنَّ سائر ذلك مطلوبٌ، فمتى تشاغل العابد بخَتْمه في كل يومٍ؛ فقد خالف الحنيفيَّة السَّمْحة، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه ولا تدبَّر ما يتلوه."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت