فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أيها المسلمون: كون الزمن من خلق الله تعالى فإن الله تعالى فوقه، ولا يحتاج إليه، ولا يحيط الزمن به؛ لأن الله تعالى غني عما سواه، وما سواه فقير إليه، وهو المتصرف في خلقه ومدبرهم، وهو سبحانه وتعالى خالق الزمن، وفي القرآن ما يدل على هذه الحقيقة العظيمة فيما يتعلق بالزمان والمكان، قال الله تعالى {هُوَ الأَوَّلُ وَالآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ} [الحديد:3] .
نُقل عن أبي سعيد الخراز أنه قيل له: بماذا عرفت ربك؟ قال: بجمعه بين الأضداد، وقرأ قوله تعالى {هُوَ الأَوَّلُ وَالآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ} [الحديد:3] .
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أراد بذلك أنه مجتمع في حقه سبحانه ما يتضادفي حق غيره؛فإن المخلوق لا يكون أولا آخرا باطنا ظاهرا.اهـ
وهنا يقف العقل البشري عن إدراك كنه ذلك ومعرفة كيفيته لعجزه وقصوره، ولكمال الرب جل جلاله وقدرته على كل شيء، فما ثَمَّ إلا الإيمان والتسليم، وتعظيم الرب جل جلاله، أو الإلحاد في أسمائه وصفاته، وتعطيله سبحانه عما يستحقه من الإثبات والإجلال، وهذا هو المزلق الخطر الذي ضل فيه الفلاسفة وأهل الكلام قديما، وغرقت في لجته طوائف كثيرة من أهل الإسلام وغيره، حين أخضعوا صفات الرب جل جلاله لعقولهم القاصرة المحدودة، ولو عرفوا مقدارهم لعلموا أن ذا الكمال المطلق سبحانه لا يحيط به العقل القاصر، فتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وإذا كانت كبار العقول البشرية قد عجزت عن إدراك كُنه الزمن ومفهومه في الوجود وهم يعيشونه ويجري عليهم، والزمن من خلق الله تعالى، فكيف يجيلون عقولهم في كنه الخالق سبحانه؟! من أجل ذلك أُمر العباد بالتفكر في خلق الله تعالى، ونهوا عن التفكر في ذاته عز وجل.
وجاء في السنة ما يفسر الآية فيما يتعلق بالزمن؛ كما في حديث عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان الله ولم يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ) رواه البخاري.