قلت: وكذلك البَتْر؛ فلا أنصح بالاستعجال في العمل برَأْيِ غيرِ المسلم؛ إلا بعد استشارة طبيب مسلم؛ لأنه قد قَلَّ في هذا الزمان مَن يُعرَف بالنُّصْحِ والأمانة في معاملته، وهو ما اشترطه الفقهاء عند التعامل مع الكفار، والله أعلم.
دَفْنُ الأعضاء المبتورة
أجاب الشيخ الشنقيطي - حفظه الله - في كتابه القَيِّمِ عن أحكام الجراحة عن هذه المسألة فقال ما فحواه:
ينبغي دَفْنُ تلك الأعضاء، إعمالاً للأصل الشرعيِّ الموجِبِ لدَفْنِ الإنسان، كما شُرِعَ دَفْن الجسم كله، كذلك يُشرَعُ دَفْن بعضِهِ.
والدفن للأعضاء المبتورة أولى من إحراقها، فإنِ اشتملتْ على داء أو مرض مُعْدٍ يراد تشخيصُهُ، فتُرْسَلُ إلى القسم المختصِّ، ثم تُطَهَّرُ بالموادِّ المتلِفَةِ للجراثيم الناقلةِ للمرض، ثم تُدْفَن بعد ذلك بواسطة أقارب المريض، وإن تَعَذَّرَ، فمن خلال موظفي المستشفى، لما في دَفْنِها من تكريم للآدميِّ، وذلك موافِق لمقصود الشرع الحنيف؛ والله تعالى أعلم.
البَتْرُ على قَدْر الضرورة
ذكرنا سابقًَا أن على الطبيب - وبالذات في مريض القدم السُّكَّرِيَّةِ - وهو موضوع الكتيب - أن يقتصر على إزالة الأنسجة المَيِّتَة، وأن يَبْتُرَ على قدر الضرورة ما يُحتاج إلى بَتْرِهِ منَ الأنسجة الميتة أو المتعفِّنَة، وأن يَبذُل قُصارى جُهدِهِ للمحافظة على أكبر قدر ممكن منَ الجسم، لما في ذلك من الفوائد الصحيَّة الجمَّة - لا داعي لإعادة بَسْطِها هنا - وهذا الاتجاه في العلاج - أي البتر على قدر الضرورة - هو ما نَصَّ عليه الفقهاء - لأن الأصل في القطع أنه مُحَرَّم؛ لكونه مَفْسَدَةً وإتلافًا، فلما وُجِدَتْ الحاجةُ الداعيةُ إلى فِعْلِهِ؛ من دفع الضرر الموجودِ في الطَّرَف المقطوعِ جاز فعله، وتقيَّد الجواز بالموضع المحتاج إليه؛ للقاعدة الشرعية التي تقول:"ما أبيح للضرورة يُقَدَّرُ بَقَدْرِها".