فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
هذه المحاورة بين هذين أنموذج حيٌّ لما كان يجري من مجالس علمية تُمتَحنُ فيها أصول كلِّ إمام بما يقرر، من جزئيات، فهذا الإمام الشافعي - رضي الله عنه - يقول لمحمد بن الحسن (.. فكيف تقيس مباحًا على محرم) ويقول أيضًا لما قال له محمد بن الحسن - رحمه الله - فكيف تصنع بصاحب السفينة؟ وأجابه: فقال محمد بن الحسن قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (( لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ) )أي وأمر صاحب السفينة بتسييرها إلى الساحل لنزع اللوح المغصوب ضرر عليه فقال الشافعي: من ضره؟ هو ضر نفسه فبين أن هذا الحكم مستثنى من قاعدة: (( لا ضرر ولا ضرار ) )ثم أجرى موازنة بين مفسدة استرقاق الأحرار العشرة الذين ولدتهم الزنجية المغصوبة وبين مفسدة هدم الجدار، المقام على الأرض المغصوبة وأن المفسدة الأولى أعظم من المفسدة الثانية باتفاق لهذا انقطع محمد بن الحسن - رحمهما الله -.
هذه المناظرة واحدة من عديد المناظرات التي تجري بين العلماء في ذلك العصر وإن حكاها كل جماعة بما يتفق وعصبيته المذهبية، وسعت دائرة الاجتهاد الفقهي والحركة الفقهية، وتكون منها آراء قانونية لها قيمتها، وحملت الكثيرين من الفقهاء على أن يتسلحوا بأسلحة مناظريهم فالقياسيون يتسلحون بالحديث، والمحدثون يتسلحون بالرأي وقربت كثيرًا من أوجه النظر المتباعدة وربما كان أقرب مثال لذلك الشافعي ومحمد بن الحسن في النموذج المتقدم آنفاٍِ فكلاهما اطلع على الناحيتين وتسلح بالسلاحين. هذا ولم يقتصر الأمر على المناظرات الشفوية بل تجاوزها إلى المكاتبة فهذا الليث بن سعد [69] يكتب من مصر إلى مالك بالمدينة يجادله في حجية علم أهل المدينة ويرد عليه مالك [70] .
ثالثا: اتساع الدولة وكثرة الوقائع