وبعض الباحثين يتعامل بحساسية مع هذه المسألة، فبمجرد أن يلاحظ النسبية في بعض الأحكام إذا به ينتهي إلى الشك العام بدقة المنهج (مادةً وتطبيقاً) ، وإطلاق حكم فيه من التعميم والتعسف ما فيه!
خامساً: لقد كانت رَدةُ الفعل عنيفةً على مؤسسة التقليد، وحالة الجمود في البحث العلمي. ولقد مهدت الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد، وحرية البحث، إلى نوع من التَّفلُّت فلم يُفتح الباب حقيقة وإنما كُسِر! ونتيجةً لذلك نشأت حالةٌ عند بعض الباحثين يمكن أن أسميها بحالة (الانبهار بفتح باب الاجتهاد وحرية النقد) . هذه الحالة دفعت أصحابها إلى التجاوز وعدم الانضباط والتسرع في كثير من النتائج التي توصلوا إليها."وحسبك أنهم يشكُّون فيما كان الناس يرونه يقيناً، وقد يجحدون ما أجمع الناسُ على أنَّه حقُّ لا شكَّ فيه"، ولا تجد عندهم بعد ذلك بديلاً وإنما هي تهويماتٌ وتعميماتٌ نظرية.
ولا يُفهم من هذا الكلام أنَّ أحداً يزعُم أنَّ منهج توثيق السنة بلغ الكمال المطلق، وأنه لا يحتاج إلى تحرير وتنقيح لبعض قضاياه، لكن فرقٌ بين التصويب والتعديل، وإضافة لبنة هنا، وأخرى هناك، وبين من يظن أنَّه الفأسُ المُرسَلُ"رحمةً"! بالمنهج لينقضه من أساسه!
سادساً: الحذر من الوقوع في إشكالية القديم والجديد، حيث يصبح القديم مرفوضاً لأنه قديم، والجديد مقبولاً لأنه جديد، ويصبح الحكم على القواعد والمسائل غيرَ خاضع للمعايير الموضوعية.
والإشكالية المُترتبة على هذا التصور هي الخلط بين ما يمكن تجديده وإخضاعه لآليات معاصرة، وبين مبادئ البحث ومناهج التوثيق. إنَّ القاعدة الناضجة المستقرة المُجربة مقبولة عند القديم والجديد على حدٍّ سواء، بسبب مرورها بمقاييس التقويم الموضوعية، ومن ثَمَّ فهي لا تحتاج إلى إعادة إنتاج، ولا إلى إعادة تشكيل. إنَّ المعيار في التقويم هو قدرة منهج ما على القيام بوظيفته التي وُضع من أجلها، فالتجديد ليس مطلباً مقصوداً لذاته.